0

حوار: عايشة مكاوي/ يتميز الشاعر المصري الكبير "فاروق شوشة" بأسلوب دافئ ولغة عذبة سهلة، فهو عشق الشعر فعشقه، وأعطاه كل ما في وجدانه عبر دواوينه الشعرية الخمسة عشر؛ كما لمع "شوشة" بصوته الدافئ عبر الإذاعة المصرية ومن خلال باقة من البرامج المميزة، وأشهرها "لغتنا الجميلة". (التقديم منقول عن موقع نوافذ)

• يقولون إذا اردت أن تعرف شخصا اسأله عما يحب، ماذا يحب فاروق شوشة؟
- أحب أن تكون الحياة مساعدة على العمل والإنتاج وان يكون صوت الحياة اهدأ ما يكون وأن تكون هناك فرصة للتأمل بين الحين والحين، ومن خلال هذا التأمل- وإن حدث- يراجع الإنسان نفسه في أشياء كثيرة ويفكر فيما هو قادم، ويفرحني جدا أن أكون قريبا من الطبيعة لأحس بأن أتكلم مع الأشجار، وفي طفولتي كانت هناك شجرة لابد أن أبثها همومي وأكاد أن استمع لها في حركة غصونها بالتجاوب مع ما تسمعه، الطبيعة لها مقام عندي، فأنا ريفي قروي ولدت في بيت يقع بين المزارع والقرية الشجر كان عالمي والأصوات الريح صوت هي اللغات المتبادلة من حولي وعندما أدركت أنني جزء من هذا الكون وأنا طفل أدركت جمال الحياة.
• هل كنت طفلا هادئا؟
-كنت أقرب إلى الهدوء، لست مشاغبا وكنت أتأمل الأطفال عن بعد، لكني كنت حريصا أن اصنع بيتا فوق شجرة، عشا من القش، فكنت أعود من المدرسة في سن الثامنة وأحمل كتبي وأوراقي وأنتهي من واجباتي المدرسية ثم أقرأ قراءاتي الأخرى حتى الغروب وحلول الظلام، فأعود إلى بيتي، هذا العالم كان نقطة تحركي نحو عالم القراءة والتأمل.
وأعتقد أن وجود مكتبة والدي في بيتنا كانت السر في أنني مسحوب للداخل وليس مدفوعا للخارج، فوجدت أن عالم المكتبة أرحب بكثير من أي دنيا سأمارس فيه ما يفعله الأطفال عادة، وجذبني عالم الكتاب والمجلة الثقافية في فترة التكوين الأولى في سن تسع وعشر سنوات اكتشفت معنى الجمال أن يكون الإنسان داخل ذاته أكثر مما يكون خارج ذاته.
• كنت صغيراً عندما حل وباء الكوليارا بمصر وبالتالي كان عاملا إيجابيا قمت باستغلاله لتنهم في القراءة؟
- لم أستغله.. بل صدرت التعليمات ألا أغادر عتبة البيت إلى الشارع، طبعا كان هذا في إجازة صيفية ومدته أربعة أشهر، فماذا يفعل حبيسا في البيت؟ • هل كان هذا حال كل البيوت في القرية؟ - إطلاقا، لم يكن بيتنا في القرية بل في قلب المزارع، وهذا كان بيت جدي وفضل والدي أن يقيم مع والدته التي هي جدتي، أعمامي وهم عشرة خرجوا كلهم في مختلف الأماكن من القرية والمدنية وكان حظي أن ابن هذه المنطقة في المزارع، فأنا بعيد عن القرية وعن المزارع وعما يحدث فيها، عندما حبست في البيت بدأت العبث بمقتنيات أبي وكانت محرمة علي الاقتراب منها، فاكتشفت في مكتبة والدي الصغيرة عالما هائلا من دواوين شوقية ومختارات شعرية ونثرية ومجلات أدبية، فشغلت عن الدنيا وكنت أسحب من الغرفة بصعوبة، وأنطرح على الأرض على بطني والكتاب أمام عيني ولا أغادره إلا بتهديدات لكي أقوم وأتركه، فهذا المحيط الأول هو المسؤول عن صناعتي.
• هل أحببت على الورق أولا؟
-لا، عندما أحببت كنت في عرس في القرية وأنا في سن الثالثة عشرة، وكنا حينها انتقلنا إلى المدينة لأن بها المدرسة الابتدائية والثانوية ولي أختان من بعدي بدأتا التعلم، وكانت المسافة بين البيت والمدرسة طويلة فكان لابد للانتقال للمدينة، فجئت إلى القرية لأحضر عرسا عائليا، وفي هذا العرس بدت أول انتفاضة لي لواحدة من الأسرة لم أكن رأيتها من قبل وكانت تكبرني، وكانت هذه الخفقة الأولى التي أنتجت شعر هذه المرحلة.
• انطلاق الشرارة الأولى للشاعر، هل لابد أن تكون من تجربة إنسانية فعلية أم ليست شرطا، ويمكن أن تنطلق فقط من قراءاته؟ -إذا كانت التجربة لها أبعاد واقعية سيعجل هذا في الأمر وإذا لم تكن متاحة سيلجأ للتجربة المتخيلة، لكن هذه تحتاج إلى عمر أكبر ونضج أكثر، لأنه لكي يتخيل أنه عنترة وله محبوبة مثل عبلة فلابد أن تكون لديه قدرة على التجريد ويحس بأنه بطل في أسطورة وانه نموذج في قصيدة شعر مشهورة، لكن إذا أتيحت في الحياة الواقعية بدايات إنسانية فهي تعجل بظهور الإنتاج الأدبي.
• في الحياة العادية هل تتحدث أيضا باللغة العربية؟

- إذا كان الموقف يستدعي تفكيرا أكتشف- ولا أتعمد- أنني أتكلم باللغة التي تصفينها، وإذا كان الموقف بيع وشراء استخدم مفردات عامية.
• وكيف تتكلم؟ في البيت؟ -لي بنتان، الكبرى يارا والأخرى رنا، وكانت المعلمة تسألهما كيف يتكلم أبوكما معكما في البيت، هل يتكلم كما نسمعه، في الشارع أتكلم عادي –يضحك– أنا مواطن بسيط.
• والزوجة؟
-هي الإعلامية هالة الحديدي، وكانت نائب للإذاعة المصرية، وتقدم الآن برنامجها في الإذاعة «ألحان زمان» التي تعكف عليه منذ أكثر من 25 عاما وتقدم الألحان التي ارتبطت بمراحل زمنية معينة.
• لابد أنها محظوظة بزوجها الشاعر، لكننا نحن النساء نشفق عليها أيضا؟
-يضحك مطولا ويقول: ولماذا لا تكون الشفقة علي؟!

• كل قصيدة شعر كتبتها كيف تثبت لها أنها ملهمتك؟
-لا هي لا تتطلب ذلك، تؤمن بأن لي مساحة من الحرية التي ينبغي أن أتحرك فيها لأبدع، وعندما تزوجتها كانت تعمل معي في الإذاعة وتعلم أن العمل الإعلامي له صيغة وعلاقات ولقاءات، وبالتالي هذه الصيغة ستجعلني في دائرة كبيرة من اللقاءات والاتصالات والرسائل إلى آخره، إذا كان إعلاميا وشاعرا فالعملية تتضاعف لأنه ستكون حركة في المجال الأدبي وعلاقات أدبية، وهي تعلم أن الطائر يغادر العش ويذهب للوقوف على شجرة، لكنه في نهاية اليوم يعود إلى عشه، ومادامت هناك عودة للعش في آخر الأمر فهذا العش يمثل الارتباط والثقة والحميمية المتبادلة، وهذا أهم شيء، الأمر الثاني ليس كل شيء اكتب عنه واقعيا، بمعنى أن لي حدود تجربتي الخاصة، لكن مهما بلغت تجربة الإنسان محدودة، غير تجارب الآخرين التي أعيشها معهم، وهناك ما أشاهده على شاشة التلفزيون، وهناك مشهد في فيلم يؤثر في، وهناك صديق يحكي لي حكاية، وهناك خبر في جريدة يهزني من الأعماق، وهناك مشهد مذبحة في مخيم ما، هذه المشاهد عندما تحركني لأكتب عنها ليس معنى ذلك أنني عشتها، لكنها وسعت معنى التجربة ولم تعد الذي يحدث لي بالذات.
• كثير من المبدعين يرددون هذه الإجابة دوما لكن جمهور القراء يرفضون أيضا الاقتناع بذلك لاسيما فيما يخص أدب الرومانسية مثل روايات إحسان عبدالقدوس وقصائد نزار قباني ؟
ـ لا يمكن ولا تتسع الحياة لكل تلك القصص ليمروا بها بأنفسهم، ولو اتسع لها العمر معنى ذلك أنها لم تكن قصص عميقة وإنما كانت نزوات عابرة، فلو في شهر واحد مثلا اذا كنت سأكتب خمس قصائد حب وأحببت فيهم خمس من النساء أذن أين العلاقة ليس هناك علاقة، مثل القطار يقف في كل محطة يقول «السلام عليكم» أشياء عابرة لا ينتج فنا، الذي ينتج فنا وإبداعا هو العلاقة العميقة الحقيقية والمسألة تختلف من إنسان لإنسان ومن شاعر لشاعر بمعنى كل إنسان قارة فيها الواضح وفيها غير المكتشف،الواضح هذه المساحة الخارجية في الفراغ، وغير المكتشف أن كلنا اجتياز لمرحلة ما وراء الجلد وما في أعماق الشخصية ربما هذا التردد بين الطرفين ليكتشف كل منهما الآخر ربما يحتاج لسنوات، لكن الذين يقنعون بالعادة وبالشكل تجدين انهم ربما تحققت علاقتهم في يوم وبدأت وانتهت في نفس اليوم، لأنها من البداية لها هدف سريع يتحقق وقريبا يتحقق، لكن اذا كانت علاقة تهدف لربط الإنسان بالحياة وبالكون والتأمل وفهم معنى الجمال الحقيقي هذا شيء آخر، والشيء الثاني أن الجمال في العلاقة ليس الأخذ، أنا أحب هذه المرأة واقنع منها بكذا وكذا هذا تفكير من نهب الثروة ولكن هناك تفكير آخر وهو العطاء، لماذا نقول ان الأمومة سيدة الفضائل والمشاعر لأنها تعطي وتسعد الآخر وتسعد هي بعطائها، فالعلاقات الدائرية التي تبدأ منك وتنتهي إليك هي العلاقات الخصبة التي تمنح وتخصب الحياة.
• هل شعرت ـ كونها امرأة ـ ببعض الريبة في قصيدة ما؟

ـ عارفة بتيجي منين من المحيطات بها في الوسط يقولون لها «يختي أسئليه كاتب القصيدة دي لمين ..معقولة فيك ..ده عمال يقول سافرت ورحت وجئت وهو قاعد معاك» ربما تجيء الريبة من تحريك عنصر آخر، الذي يحدث أنني قد أسافر وأنا إلى جوارها في بيتي دون أن أتحرك في المكان، لأنني قد أنتقل بعالم الإحساس والشعور لأقصى الكرة الأرضية ولكنني معها، حتى لو سافرت مثل سفرتي هذه للكويت فهي تعلم عن يقين ما الذي يستهويني وتعلم هناك احتمال لخطر ما يتهدد هذه العلاقة فتدرك أنه لا خطر على الإطلاق لأن الإقدام على العلاقة وشيء جديد يتطلب تفرغا لا تسمح ظروف حياتي به، لا ظروفي الزمانية ولا ظروفي العاطفية ولا ظروفي العمرية ولا أستطيع أن أعيش ما عشته من ثلاثين سنة من قبل بصورة أخرى، لأن لكل عمر طريقته في الأخذ والعطاء والتعبير والتجاوب والإحساس، يعنى مثلا لمدة عشرين سنة كنت أدرس في الجامعة الأميركية وحتى العام الماضي في القاهرة والناس كلها تعلم أجمل بنات مصر هناك وكنت أرى فيهن يارا ورنا بناتي طوال الوقت،أي طالبة تقترب مني هي يارا ورنا، وأقول لهن أنا أؤمن بالمرأة النابغة حتى وأنا طالب في الجامعة كانت التي يستهويني من هي اكبر مني من النساء وأحس فيها بنضج ولا تستهويني من تماثلني في السن فأجدها خفيفة وسطحية.

• ولكن دائما ما يقولون إن الوجه الجميل خير سفير للمرأة وإن الرجل يحب الجميلة يخاف من ذات العقل الراجح أو انه يفضلها غبية عن أن تكون ذكية؟
ـ من دون عقل لا توجد امرأة جميلة حتى لو كانت ملكة جمال العالم، افترضي أن هناك امرأة جميلة تجلس معي وأكلمها وبعد دقيقة ان لم يكن لديها عقل وعمق سأراها أقبح القبيحات، ما هو الجمال اذا كان هو ملامح وتكوين وأتصور أنني معها في قبو بعد يوم أو اتنين سأحس انه سجن وسأطلب الفرار اذا لم يكن بداخلها قيم وحس مرهف وقدرة على التسامي، والتسامي معناه أن الحياة مستويات الأول الحياة البسيطة مثل نأكل أيه ونشرب أيه ثم مستوى نتأمل مثلا منظر جميل ومستوى الإغراء بالسفر والحركة وبعدين مستوى يقرأ كل واحد كتاب بمفرده ونناقش فيما قرأناه. من تستطيع أن أعيش معها الحياة بمستوياتها من الأبسط للأكثر تعقيدا ثم أكتشف في كل مرحلة فيها شيئا لم أكن اكتشفته من قبل فهي منجم إلى أن أصل للطبقة العميقة فأنا محتاج لعمر كامل، هذه هي المرأة الجميلة.
• الام في حياتك ؟
ـ هي سبب علاقتي بالشعر ابي معلم وامي لم تتعلم الا التعليم الريفي في القرية وكانت تلميذة ابي، وابي احبها وخوفه من ان تقترب من مكتبته سببه ان بها رسائل منه اليها لم يرسلها، يعني كتبها ثم اكتشف لانه معلم وهي تلميذته كيف يسمح لنفسه، فسمح لنفسه بان يبوح على الورق واخفاها، فلما اكتشف اني رايتها اصيب بحرج شديد فكيف وقعت تلك الاوراق المقدسة في يدي ولكنني سعدت.

• وكيف كان شعره ؟

ـ جميل وهو شاعر ولكنه لو اهتم بفكرة الشعر والعلاقة مع الشعر لكان له شان آخر ولكنه مثل زملائه في ذلك الجيل في تلك المرحلة كان شعره عن اشياء ذاتية ويخفيها، لكن مثلا اذكر احد اخوالي وكان احب الاخوال الى امي كتب والدي قطعة شعرية لالقيها في الحفل، العريس والعروسة على الكوشة والناس وانا طفل في السابعة فوجئت يوم الفرح انني سألقيها على الناس وعندما سألته «ازاي» قال لي سنقدمك للناس ومن ثم تلقيها عليهم، وكانت على ما تذكر «انا فاروق الصغير ..جئتكم في الحفل منير وخالنا عبد الجليل الاسمر الشهم الجميل» المهم في الفرح نادوا علي فلم يجدوني لان الوقت كان قد تأخر وانا طفل صغير واخذ والدي يبحث عني حتى شاهد قدمي تحت كرسي الكوشة فوجدني نائما تحت كوشة خالي!!وانا سعيد لان اول قصيدة قلتها كانت لابي وفي فرح خالي.
• نعود للام ـ كانت في ليالي رمضان يأتي شاعر السيرة الشعبية وكان اسمه سيد حواس للقرية يقعد ثلاثين ليلة بعد صلاة العشاء الى ان يحين موعد السحور، بيت جدي والد امي في القرية مجاور لتلك القهوة فتأخذني امي لاني اكبر الاولاد ونجلس وراء الشباك،يبدأ سيد حواس يشتغل احس بامي تهتز مع الايقاع وانا اسمع الانشاد وغناء الربابة لذلك اول شعر سمعته هو الشعر العامي اللي موجود في السيرة الشعبية، وكنت الح اني اذهب لجدتي يوميا لذلك السبب. وعندما دخلت المدرسة بدأت اكتب خواطر ولكنها غير موزون واختلي بوزني وكان ابي يسألني ماذا تذاكر فكنت اقول بذاكر جغرافيا وانا فاتح كتاب الجغرافيا وبداخله ديوان شعر حتى جاء في احدى المرات ووجدني منهمك انهماك لا يحدث مع كتاب الجغرافيا فاقترب مني وشاهد الديوان فعنفني وقال لي الشعر سيفسد دراستك واصبح الشعر عدوه، من هنا تفهمني ..امي، قالت انت لوحدك مع نفسك اقرا وتغلق علي الباب وتسألني كل شوية عايز شاي وعندما يسأل عني ابي تقول له بيذاكر، فكانت هي التي تشجعني مع ان ابي من يكتب شعر وهي ليست متعلمة مثله لكن تفرح عندما تحس اني احب الشعر واكتبه وفي المناسبات اطلع واصبحت شاعر المدرسة ووالدي كان موقفه حذر لانه خايف ان ياخذني الشعر من دراستي.
• انك حذر ومنضبط فهل ورثته عن الوالد؟
ـ اكيد وانا الآن احاول ان افهم لماذا كانت قسوته وانا بين اولاده جميعا الذي حظيت بهذه القسوة، الباقيين من بعدي الامور خفت معهم، يعني بيتنا كان على نهر النيل وكان محرم علي نزول النهر وكل الاولاد ينزلون واراهم، فلما يسمع ان فاروق سينزل الماء كان يثور للغاية.
• هل كنت ولده الوحيد ؟
ـ لا ما شاء الله كنا عشرة خمسة اولاد وخمس بنات وانا الاكبر، لغاية ما كنت هغرق بالفعل وانقذني عابر سبيل، ومرة تانية سرقت «الطشت» من النحاس وكان موجود في بيوت زمان واعتبرته قارب ومشيت به في الماء، هو شايلني ولكني اكتشفت اني مش عارف ارجعه ولا اطلعه من الماء والموجة واخداني بدات اصرخ الحقوني ودي كانت مرة نفسي اجرب العلاقة مع الماء، والدي يعوم كويس جدا والنتيجة اني لم اعوم ابدا واصبحت المياه عنصر أتأمله بخوف، اخواتي اللي بعدي يعبرون المانش،لذلك لم خلفت يارا ورنا من سن الرابعة كنت اخذهم للنادي وتعلموا العوم واجلس انظر اليهما وكأني اعوم.

• كنت الابن الاكبر في اسرة كبيرة مكونة من عشرة اخوة كونت اسرة صغيرة من بنتين فهل هذا رد فعل ؟

ـ لما كبرت لما يكن عندي تطلع لاسرة فيها اطفال كثيرة، رغم انني في اسرتي كنت بأحظى بالاهتمام الرئيسي وده كان يزعجني لاني كنت بحس في عيونهم بالظلم وان اهتمامهم على الولد اللي كبر ويذهب للجامعة ويسكن لوحده، لان اخي اللي بعدي بيني وبينه ست سنوات، فكل سنتين كانت عندنا عملية انجاب، البنات اخذوا للثانوية العامة واكتفوا عدا الاخيرة تخرجت في الجامعة وعملت دراسات عليا واقامت في القاهرة لاننا كنا انتقلنا للقاهرة، ولكني بصراحة كنت اضيق بهذا الزحام واتساءل عن سبب الكثرة المنهكة والاسرة لم تكن غنية فهي من الطبقة التي نسميها تحت المتوسطة فالوالد كان عنده قطعة ارض ورثها عن جدي باعها كلها لينفق على تعليمنا،والدتي باعت مقتنياتها الذهبية كلها ايضا من اجلنا.

• في هذا الزمن كانت الارض توصف بـ «العرض» دلالة على اهميتها، بينما كان ادراك والدك لاهمية العلم سابقة لهذا الزمن مما جعله يفرط فيها ببيعها ؟
ـ لانه لم يكن مزارعا وهو الوحيد من اخوته الذي علم اولاده، كل اخوته اشتغلوا ونجحوا واصبحوا اغنياء في مجالات عامة، كنت بحس ان تعليمي انا واخوتي استنزف ابي.
• حدثنا عن بناتك ؟
ـ يارا آداب قسم فرنسي وتعمل مذيعة ومحررة في قناة النيل، رنا دخلت تجارة قسم فرنسي وتعليمهم الفرنسي سببه ان والدتهم تعليمها فرنسي ورنا متزوجة وتقيم في دبي وكانت تعمل في مجال تصميم الاعلان ولكنها بعد الانجاب تفرغت لاولادها، دلوقتي بقت هناك هموم مضاعفة اكتر، زمان كان ممكن تلاقي شغالة كويسة تحمل عنك جزء من اعباء البيت وترعى الطفل في حالة غياب الام الآن اصبحت مسألة صعبة، فرنا تقول انا اقعد مع الاولاد واتكلم معهم وارعاهم، يارا عندها بنتين ورنا ولدين وهؤلاء الاحفاد هم حياتي عالم الاطفال يمسح كل تعب الحياة.
• ما هي علاقة ابنتيك بشعرك ؟
ـ بيقروه ويتابعوه ولما كبروا بدات نظراتهم المتوجسة اكثر من امهم ويسالونها «انت ساكتة عليه،جوزك بيكتب الكلام ده في مين ؟» ويقولون لم نرى زوجة كذلك «سايبه الحبل على الغارب» وهذا احيانا جد واحيانا هزار.
• أبناء المشاهير دائما ما يقعون في مأزق أنهم «أولاد فلان» فكيف مرت ابنتاك بذلك المأزق ؟

ـ دائما كانتا تتضايقان عندما يشار أو يقال لهما أنتما بنات فلان، فكل واحدة تريد أن يكون لها كيانها الخاص، وكان مدرس يارا يسألها عن معنى اسمها فتقول له أكثر من معنى كذا وكذا ومعناه ابنة الربيع فيقول لها يعني أبوك اسمه ربيع، فتأتي لي مستاءة، ومرات كنت أرى كراريسهما وأجد مدرس اللغة العربية مصحح لهما أشياء خطأ، وكنت حريصا على ألا أقول لها انه على خطأ حتى لا تفقد ثقتها في المعلم، فأسكت أو اذهب للمديرة وألفت نظرها.
• هل فعلا لغتنا جميلة ...أم أن أسلوبك وطريقتك هو ما شد مستمعيك لسنوات ليحبوا اللغة؟

ـ والدي كان راسم صورة لمستقبلي أني هدخل الكتاب أحفظ القرآن ويدخلني الأزهر وارجع الشيخ العالم ليس للقرية فقط بل للمنطقة، فأنا اكتشفت وأنا في سن الرابعة وأنا جالس أمام شيخ مخيف يمسك بالمقرعة التي يضرب بها، والقرية كان بها ثلاثة كتاتيب وكانوا الثلاثة الناس اللي فيهم أصحاب والدي وكل واحد عايز فاروق يروح عنده من باب المجاملة فأنا بقيت متنقل شهر هنا وشهر هنا، وكنت أصغر من اللي يتعلموا ،الكتاب بالنسبة لي كان مدرستي اللغوية الأولى، أحفظ كلام لا افهم معظمه وأتعلم أقوله وأدرب جهازي الصوتي على أني «ألحن وأنغم» وأدركت أن للكلام إيقاع وأنه لابد النطق به بطريقه صحيحة وأداؤه له زمن أي أن الكلمة لها زمن في الأداء أذا أسرعت أو أبطأت اختل الأداء فضلا عن إني بحفظ وبقول أصبح عندي ما يسمى معجم اللغة العربية طالع من القرآن كبداية، ولما ذهبت للمدرسة وبدأت أكتب موضوعات انشاء يلاحظ معلم اللغة العربية أنني أضع أشياء من القرآن وأشياء من الشعر الذي كنت أقرأه فيشجعني، وكان عندي مدرس لي لم أنساه كان كل شهر بعد أن تظهر النتيجة يهدي لي كتاب اشتراه لي وهذه النوعية من المعلمين لم يعودوا موجودين الآن.
• هل تذكر اسمه؟
ـ نعم اسمه الأستاذ أحمد عبدالمجيد وكان شاعر ومدرستي هي مدرسة دمياط الابتدائية للبنين، وكان أستاذي هذا يشجعني ويسمع شعري ويصححه لي وينطبق عليه قول شوقي «كاد المعلم أن يكون رسولا».
• وصفت الشيخ في الكتاب بالمرعب ألم تتعرض لمقرعته؟ ـ لا لم أضرب وعندما كبرت قليلا وعيت السبب أنهم أصدقاء والدي ويعرفون أنني كبيره وغالي عنده، لما خلصت الكتاب كان عمري 7 سنين والأزهر يأخذ من في عمر 11و12 عاما فماذا افعل، جلست في البيت حتى جاء احد أصدقاء أبي ونصحه بأن يدخلني المدرسة بدلا من جلوسي في البيت حتى يحين موعد دخولي الأزهر، وهنا تغير المسار، ولم تتح لي حياة الأزهر ولا التعليم الديني، لكن ظلت علاقتي مع اللغة فأشعر أنها بيتي، وانا أتكلم باللغة العربية أسهل من الكلام بالعامية. • أذن حبك للغة العربية حبب مستمعيك في برنامج «لغتنا الجميلة» لسماع اللغة العربية؟ ـ لا يمكن أن يحب الناس شيئا تقدمينه إلا أذا ظهر انك تحبينه.
• هل كنت انطوائي أم اجتماعي في المدرسة؟
ـ كنا نطلع من القرية نمشي ساعة ونصف لنصل للمدرسة الابتدائية وهذا الطريق كون علاقات حميمية بين تلميذ في سنة ثانية وآخر في سنة ثالثة، كلنا نتقابل على الطريق وفي أوقات معينة.

• وماذا تتذكر من تلك المرحلة؟
ـ أتذكر كنت في فريق الموسيقى في الهوايات كان نشاطه يوم الجمعة وكنت في ثالثة ابتدائي، وأمي تسألني لماذا تذهب يوم الجمعة أقولها من اجل حصة الموسيقى فتقول لي هو أنت هتمتحن فيها فأقول ليس لها علاقة بالامتحان، وكان هذا أهم شيء افعله في المدرسة رغم أنني كنت أسير الطريق وحدي.
• ما الذي كان يشدك في الموسيقى وأنت طفل ؟
ـ فكرة الإيقاع.

• يخيل لي أن حاسة السمع عندك هي الأقوى والأكبر مكانة بين حواسك حيث بدأت علاقتك مع الطبيعة وأصواتها ثم الكتاب وحصة الموسيقى والإيقاع.
ـ هي أهم حاسة عندي واحكم على الإنسان لما اسمع صوته، ونتيجة الضوضاء والتلوث السمعي حاسة السمع ضعفت عند الناس فعادت لا تنصت، بالإضافة الى ان الحياة أصبحت غليظة فالموسيقى سيئة والأغاني منحدرة وما تسمعيه لم يعد بالصفاء والنقاء والجمال، ومن نشأ في الطبيعة على أصوات زقزقة العصافير وأصوات الطيور بخلاف حياة المدينة مصانع وضوضاء ومداخن وسيارات جو آخر.
• في تصور العامة أن كتابة الغزل يختلف مع المراحل العمرية، لكن في كل مرحلة أنت تبدع فيها بجديد؟
-في سن معينة ما يسمى المراهقة يكون هناك تأكيد لفكرة الرجولة وإني كبرت وبقيت أحب، وفي مرحلة أخرى مع التقدم والنضج محتاج لمن يسمعه ويحتاج ونس، يكبر شويه محتاج مدخلا لتكوين بيت فتصبح العلاقة أن صيغة البيت تبدأ تتحقق وبعد ذلك فكره الجمال المطلق أني انشد لإنسانه جميلة ممكن أتعرف عليها في رحلة أو مكان، مجرد اجتذاب إنساني زي ما بشوف لوحة جميلة زي ما اكتشف انه في ديوان شعر لم اقرأه من قبل أو مكان لم أكتشفه في سفرياتي، فبالتالي المرأة الجميلة تظل في حياة الإنسان مادام حيا، وهذا ما يجعل الحياة جميلة.
• يقول الشاعر عبد المعطي حجازي عنك إنك «تأخرت في البدايات وتقدمت في النهايات» فماذا كان يقصد؟

-أنا عشت هنا في الكويت سنة من 63 إلى 64 وتعرفت على بدر شاكر السياب في السنة التي مات في آخرها وكان مريضا في المستشفى الأميري وكنت أزوره يوميا أنا وآخرون وتأثرت كثيرا، وجعلني أقرب لحقيقة الشعر وكان عمري 27 عاما ورجعت القاهرة فبدأت أفكر في جمع القصائد التي كتبتها سواء في سنوات الجامعة أو أثناء عملي الإذاعي وأنظر إليها وانتقي الأفضل، لذلك عندما أصدرت أول ديوان في عام 66 كان عمري 30 عاما وكنت نشرت ما شعرت بأنه ممكن أن يقدمني للناس، ثم انشغلت في العمل الإذاعي وأخذتني ضجتها والمعجبات والتلفونات والرسائل، ولذلك مكثت سبع سنوات أخرى حتى صدرت لي المجموعة الثانية في عام 73 بعد ذلك اعتدل المسار وانتظمت في إصدار دواويني، لكني كنت حريصا ألا يفسد الإعلام الشعر، لذلك حتى وأنا رئيس إذاعة كنت أقول الإذاعة تأخذ النهار والشعر يأخذ الليل، وكان أكثر إنتاجي الذي نشرته وأنا رئيس الإذاعة.

• عادة المراكز والمناصب تسبب عداوات، خصوصا في مجال الإعلام، فتجد أن هناك أحزابا وشللا، فهل مررت بنفس الشيء خلال تجربتك كرئيس الإذاعة المصرية؟
-لم يكن لي شلة، بينما الإذاعة مليانه شلل، ولم يكن هناك مقربون مني، والعمل الإعلامي تنافس وقد يقود لتقاتل، والبعض يحارب للحصول على هذا البرنامج أو ذاك، لكنني اعتبرت أن مهمتي إعطاء كل ذي حق حقه، فلم تكن لي عداوات، لكن كان هناك ناس مختلفون مع أسلوبي.
• معظم الإعلاميين في مصر ورثوها لأبنائهم، فلماذا لم تفعل مثلهم وعملت ابنتاك في الإذاعة؟
-على العكس رغم أن البيت كله كان إذاعة فلقد تشبعا ورفضا خوض المجال، وحتى لو أرادا العمل في الإذاعة لم أكن أعتمد الواسطة لإدخالهما بل إمكانياتهما فقط، لكنهما كانا يريان انشغالي أنا ووالداتهما وأحيانا لا نتقابل فلم يقبلا على هذه الحياة مثلنا.

• كتبت في فترة عن"الحب الإلهي"؟

-هي مرحلة بتشعر فيها بأن حاجتك من الكون غير المتطلبات الحياتية العادية، يعني ممكن لحظة وأنا في قمة الحب البشري اكتشف أن هذا الآخر والكيان الجميل ما يربطني به أسمى من الأشياء الجزئية العابرة، لأنه فيه عمق آخر، وهذه نعمة من الخالق، وفيه جزء يشدني لديمومة الأشياء، إذن هناك تجاوز دائم لما أعيشه على مستوى العمر المحدود ومستوى اللحظة الصغيرة مهما طالت ستظل لحظة صغيرة حتى لو كانت من المتعة المركزة لكنها ستنتهي ويبدأ بعدها جوع ثان، لكن فيه شيئا تحس بأنه ماسك نظام هذا الكون كله وعندما كنت أقرأ شعر الحب الإلهي كنت أشعر بأني في عالم آخر.
• كثير من الشعراء الآن بسبب من نعيشه من أزمات يكون نتاجهم قاسيا ومحبطا، لكنك حريص أن يكون شعرك جميلا.. متفائلا؟ -الفن مصدر بهجة ومرح وتجميل للحياة، أنا بائس أخلي بؤسي لي، يعني ليه أعمم البؤس، وبعدين لم يكن في حياتي تجارب مأساوية حتى أنقلها إلى الآخرين، عايزين نزرع شجرة فرح حقيقية ونستمتع بالحياة، إنما التنكيد على الناس ليس مهمة إنسانية.
• ما أكلتك المفضلة؟
-أكلتي المفضلة التي تناسبني في لحظتها، وأصعب سؤال عليّ لما مراتي تقولي تتغدى أيه؟ ولما تقول لي أنت تحيرني أقول لها اعملي جدول وأحسن حاجة عندي خبز وجبنة، ولو كان في الصيف يبقى معها بطيخ، وليس لي طلبات في البيت غير الهدوء فقط.


باع كل أرضه وأمي باعت مصاغها من أجل تعليمي أنا وإخوتي العشرة
> كنت أضيق أحياناً بكثرة إخوتي فأمي منهكة.. واستنزفت والدي
> أبي كان شاعراً ولو اهتم لكان له شأن آخر > رفض اهتمامي بالشعر وأصبح عدوه الأكبر
> أمي تعليمها ريفي.. لكنها سبب علاقتي بالشعر
> كدت أغرق مرتين في طفولتي وفي إحداهما كنت في »طشت« نحاسي
> الكُتّاب كان مدرستي اللغوية الأولى.. فيه أدركت أن للكلام إيقاعاً ولا بد من النطق به بطريقة صحيحة
> أستاذي عبدالمجيد كان يهديني كتاباً شهرياً ويشجعني ويسمع شعري ويصححه لي

> السمع أهم حاسة عندي وأحكم على الإنسان من صوته
> الحياة أصبحت غليظة فالموسيقى سيئة والأغاني منحدرة
> ما نسمعه لم يعد بالصفاء والنقاء والجمال
> أول شعر سمعته.. الشعر العامي الموجود في السيرة الشعبية

> المرأة الجميلة مثل المنجم تكتشف فيه الجديد كل فترة
> زوجتي لا تسألني عن ملهماتي.. وتترك لي مساحة من الحرية
> أصعب سؤال عليّ لما مراتي تقول لي: تتغدى أيه؟
> ليس لي طلبات في البيت غير الهدوء فقط


فاروق محمد شوشة شاعر مصري، ولد عام 1936 بقرية الشعراء في محافظة دمياط، حفظ القرآن الكريم، وأتم دراسته في دمياط، وتخرج في كلية دار العلوم 1956، وفي كلية التربية جامعة عين شمس 1957 . عمـل مدرساً 1957، والتحق بالإذاعة عام 1958، وتدرج في وظائفها حتى أصبح رئيساً لها 1994، أستاذاً للأدب العربي في الجامعة الأميركية بالقاهرة . أهم برامجه الإذاعية: لغتنا الجميلة، منذ عام 1967، والتلفزيونية: «أمسية ثقافية» منذ عام 1977، عضو مجمع اللغة العربية في مصر، رئيس لجنتي النصوص بالإذاعة والتلفزيون، وعضو لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة، ورئيس لجنة المؤلفين والملحنين. شارك في مهرجانات الشعر العربية والدولية . دواوينه الشعرية : • إلى مسافرة 1966 . • العيون المحترقة 1972 . • لؤلؤة في القلب 1973 . • في انتظار ما لا يجيء 1979 . • الدائرة المحكمة 1983 . • الأعمال الشعرية 1985 . * لغة من دم العاشقين 1986 . • يقول الدم العربي 1988 . • هئت لك 1992 . • سيدة الماء 1994 . • وقت لاقتناص الوقت 1997 . • حبيبة والقمر (شعر للأطفال) 1998 . • وجه أبنوسي 2000 . • الجميلة تنزل إلى النهر 2002 . مؤلفاته منها : • لغتنا الجميلة . • أحلى 20 قصيدة حب في الشعر العربي . • أحلى 20 قصيدة في الحب الإلهي . • العلاج بالشعر . • لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة . • مواجهة ثقافية . • عذابات العمر الجميل (سيرة شعرية) . حصل على جوائز عدة منها: ـ جائزة الدولة التشجيعية في الشعر (1986م). ـ جائزة الشاعر اليوناني كافافيس (1994م). ـ جائزة مؤسسة يماني (1995م). ـ جائزة الدولة التقديرية في الآداب (1996م).

الحوار منقول عن مجلة الرؤية

الرابط الأصلي للحوار

http://www.arrouiah.com/node/75269

إرسال تعليق Blogger

 
Top