0

بقلم خيري منصور/ ستبقى أمثولة الغراب المغرور إلى الأبد ما دامت هناك نماذج بشرية أساءت فهم العالم بدءا من نفسها، وتضخمت الذات حتى تسرطنت ولم يتضح الفارق بين الشحم والورم كما قال المتنبي في قصيدة عتاب لسيف الدولة.
غراب الحكاية جاع وفرط بكل الفرص حتى لحظة الغروب ، بعدها سال لعابه على ذبابة أو بعوضة ، انه نقيض الإنسان الرواقي الذي تدرب على الاستغناء وقرر أن يجوع ولا يأكل بثدييه ، كما تفعل الحرة ، وقد يكون الغراب تاجرا أو كاتبا أو مجرد إنسان عادي ، لكن استحقاقاته تضخمت حتى صدق نفسه ، والإنسان الذي يكذب على ذاته لا بد أن يصدقها في لحظة ما لفرط التكرار ، عندئذ يكون ضحية هذا التصديق ، واذكر أن شخصية من هذا الطراز قدمها فيلم سينمائي مأخوذ عن رواية بعنوان "شيء من الخوف" ، فقد أعجب هذا التابع بسيده وحاول محاكاته في كل شيء ، لكن الآخرين لم يشاركوه الوهم ، فانتهى إلى مجنون في شوارع البلدة.
لم يكن غراب الحكاية راديكاليا من ذلك الطراز الذي يراهن على الكل او لا شيء ، لأنه لو كان كذلك لتحول إلى أسطورة شأن كل كائنات الأساطير التي دفعت ثمن التمرد والعصيان والحرية بدءا من بروميثيوس الإغريقي حتى سيزيف ، وإذا كان المرء الذي يعرف قدر نفسه يستحق الرحمة ، فان نقيضه يستحق الشفقة فقط ، لأنه اخطأ حين وزن البصل بميزان الماس والذهب ، واخطأ أيضا عندما أدى التحية لنفسه في المرايا ، مثلما اخطأ وهو يلعب الكرة مع نفسه بلا شبكة ليكتشف أن الأهداف التي سجلها كانت ضده وفي مرماه،.
إن الفارق جذري بين العفة والاستغناء واحترام الذات وبين الوهم باستحقاقات تزينها النفس الإمارة بالسوء ، وثمة أناس خسروا كل شيء حتى أنفسهم لأنهم صدقوا أوهامهم ، ووجدوا من يتملق غرائزهم ويورطهم في الغرق ، ولا أظن ان هناك كائنا أكثر تعاسة من نرجس الذي تنسب اليه النرجسية وعبادة الذات ، فقد مات غرقا وهو يحدق بإعجاب إلى وجهه ، ونسي ان هناك في هذا العالم ما يستحق التأمل أكثر من سحنته الصفراء ، لهذا فالبشر محكومون بثنائية الباب والمرآة.. وهناك من تحركت الأبواب لديهم إلى مرايا ، فارتطموا بزجاجها ومكثوا حيث هم ، مقابل آخرين قادتهم الأبواب إلى العالم بكل ما يعج به من أعراس وكوارث ، ومشاهد لا يحول التناقض بينها دون تجاورها وأحيانا تزاوجها،.
إن من يعف ويستغني لا يقول في خريفه وعندما يأزف الغروب آه على ذبابة أو بعوضة ، ويفضل ان يموت جائعا ونظيفا ، لكن من افتعلوا العفة واصطنعوا الاستغناء إيهاما لأنفسهم وللآخرين هم من يقال عنهم بأنهم صاموا وافطروا على قشرة بصلة.
ألم يفعل ذلك ثوريون بدأوا مبالغين وراديكاليين ويصنفون العباد في خانات اليمين ثم افطروا على ذبابة؟.
ألم يفعل ذلك أيضا مثقفون أدانوا العالم كله وبرأوا أنفسهم عندما سال لعابهم على رأس سمكة فاسدة؟.

نقلا عن جريدة الدستور اضغط هنا للذهاب إلى الرابط الأصلي للموضوع


إرسال تعليق Blogger

 
Top