0

قراءة: سميرة سليمان/ " ما زال عجز الناس عن العيش معاً في احترام متبادل يصدمني" قد تكون هذه الكلمات للأديب الراحل ساراماجو هي ما دفعته لكتابة روايته "العمى" الشهيرة التي نشرت في 1995 والتي تحكي عن استشراء العمى في مدينة ما – لم يحددها المؤلف- مثل طاعون مجنون، ليجعلك المؤلف عبر تقنيات السرد المختلفة تعيش هذه التجربة حتى تتوجس من إمكانية إنتقال الوباء لك أثناء القراءة ، ولذلك استحق عليها الكاتب جائزة نوبل عام 1998، ولتتحول بعدها إلى فيلم سينمائي قدمه المخرج البرازيلي "فيرناندو ميريليس".
لا يوجد أسماء أبدا في هذه الرواية ولم يشر المؤلف إلى الزمن التي وقعت به الأحداث وكأن مؤلفها أراد أن يؤكد أنها الأحداث صالحة لكل الأزمنة فهي تنتقد العزلة التي تفرضها الحياة الحضرية الحديثة، وبحسب النقاد فإن ساراماجو في هذه الرواية ينتقد أيضا العالم الذي أصبح رغم كل العيون الحية فيه، لا يبصر إلا نفسه.
الرواية تصف بشكل رمزي المجتمع الذي نعيش فيه بالعمى الفكري أي الجهل الذي يجعل البشر غافلين عن كثير من الحقائق والوقائع التي تحدث حولهم، كما يمنعهم جهلهم من التقدم فهم بحاجة الى شخص مبصر حتى يقودهم من الظلمات الى النور، فالعمى في الرواية ليس عاهة جسدية، إنما يرمز إلى الجانب المعتم والسلبي من الطبيعة الإنسانية، وتجسيد جانب من وضاعتها وعنفها وأنانيتها التي تصل حدّ الاعتداء على الآخر وإلحاق الأذى به.

عمى أبيض

يبدأ السرد بالحديث عن أول من يضربه هذا الوباء وهو رجل يصاب بعمى أبيض أثناء قيادته لسيارته، كان يرى كل شيء أبيضا ومشعا، مثل ضوء شمس قوي أضاء في عينيه فمنعه من رؤية كل شيء، تقول الرواية: "توقف في إشارة المرور حين رأى الضوء الأحمر. كان في أول الصف ومن ورائه صف طويل من السيارات المنتظرة أن يتحول هذا الضوء الأحمر إلى الأخضر. وفجأة.. وجد نفسه غارقاً في بحر من الحليب! كل شيء حوله أبيض اللون".
وحين ينقل لعيادة أحد الأطباء يتحير في تفسير أمره، ثم ما يلبث الطبيب نفسه أن يفقد بصره، وتتوالي الإصابات.
وسرعان ما ينتشر هذا النوع من العمى في أوساط المجتمع كله مثل جرثومة أو طاعون، بدأ الانتشار بكل من اختلط بهم هذا الأعمى الأول، تلجأ السلطات من أجل كبح جماح المرض إلي احتجاز المصابين في مستشفي عقلي فارغ تحيطه بحراس مسلحين يؤمرون بإطلاق النار علي كل من يحاول الهرب.
عاش هؤلاء العميان بمعتقلاتهم تلك في بؤسٍ شديد, فبين وجبات يضعها الحراس بعيداً وتتيه خطاهم للحصول عليها, وبين قذارةِ متناهية طالت أرض مكانهم وسقوفهم وكل شيء فيهم بلا أنابيب مياه تعمل ولا عمال نظافة ولا صيانة, كانت فصول حياتهم المؤلمة، فبفضل هذا تحولوا لوحوشٍ بشرية.

رؤية الحقيقة

في ظل هذه الأجواء، قام مجموعة من العميان المسلحين بفرض سيطرتهم على العميان الآخرين العزل وفرض القوانين الجائرة عليهم، وكل من يخالف القانون يعاقب بمنعه من نيل طعامه، فكانوا يسرقون مخصصاتهم الضئيلة من الطعام ويغتصبون النساء.
يقول أحد المسلحين في الرواية: "..من الآن فصاعدا سنتقاضى ثمن الطعام، لقد حذرتكم جميعا،لا يفكرن أحدكم في الخروج للبحث عن الطعام، سنبيعكم الطعام وكل من يريد أن يأكل عليه أن يدفع" فعلى العميان أن يجمعوا كل ما لديهم من نقود او مجوهرات أو أشياء ثمينة ويسلموها لهم، ويتابع المسلحون: "..لأننا إن شعرنا أنكم لم تدفعوا ما يكفي فلن تنالوا طعاما، وسنترككم تلوكون أوراقكم النقدية وتمضغون ألماساتكم"، ولم تتوقف مطالب المسلحين عند هذا بل أرسلوا رسالة صفيقة إلى باقي العميان يطلبون فيها النساء مقابل الطعام.
فقط امرأة واحدة بالمدينة لأسباب غريبة لم تنتقل إليها العدوى، ظلت مبصرة، إنها زوجة الطبيب التي ادّعت أنها فقدت بصرها لتبقي إلي جانب زوجها، وحدها ترى بين هذا الكم الهائل من العميان، كانت قادرة على أن ترى مشاهد كثيرة لم يستطع العميان أن يروها، فهي ترى الاستبداد والاستغلال والسرقة الانحراف من قبل النساء تجاه أصحاب السلطة حتى يحصلن على قوت يومهم، ترى أوساخا ومخلفات جسمانية مقززة، يتركها البشر على جوانب الطريق، ترى مساكين كثيرين ملقون على حافة الطريق، مصابون بأمراض شتى وترى جثثا معفنة ألقيت في الشوارع لا تنل شرف دفنها.
وكثيرا ما كانت تتساءل إذا ما كانت ستعمى مثلهم، ما هي الأسباب العصية على الفهم والتي حمتها حتى الآن من العمى. وفكرت، سننتن جميعا وتصل رائحتنا إلى السماء العالية.
وبواسطة هذه المرأة تمكن العميان من الهرب بعد أن احترق المبنى الذي كانوا بداخله، ورحل الجنود عنه، قالت زوجة الطبيب: "لقد رحل الجنود أو اخذوا بعيدا هم أيضا أصابهم العمى لقد عمى الجميع"، وكانت هذه المرأة المبصرة بالنسبة إلى العميان الأعين التي يفتقدونها، وكأنها ملك مبصر في مملكة عميان كما تصفها الرواية، ولكنها تقول عن هذا الوضع المؤلم: "..أنتم لا تعرفون ماذا يعني أن نكون مبصرين في عالم كل من فيه عميان، انا لست ملكة بل أنا ببساطة تلك الإنسانة التي ولدت لترى هذا الرعب".

مدينة الظلام

أصبحت المدينة كلها عميان، انتشر المرض تماماً وتوقفت كل ملامح الحياة، بدءا من تعطل أعمال شركة الكهرباء، وتوقف ضخ الماء, فتكدست الأوساخ وزاد العطش, والسيارات المتوقفة في الشوارع بلا هدف ولا معنى, فكثيرا ما كان يداهم السائقون عمى مفاجئ ولذلك لم يبق شخص واحد يجرؤ على قيادة عربة ولا حتى للانتقال من مكان إلى آخر، فقد هُجرت السيارات، الشاحنات، الدراجات النارية والهوائية أيضا، مبعثرة على عماها في كل أنحاء المدينة، حيث طغى حس الخوف على أي حس تملكي.
والجثث التي جرى عليها ما جرى من الجوع والعطش باتت غذاءاً للكلاب، والبيوت التي ضاع عنها أصحابها فبينما يخرجون منها بحثاً عن طعام يتلمسون أركان المدينة مستخدمين حاسة الشم، تاهوا عن معالم بيوتهم تماماً فبقيت خالية حتى يمر عليها أعمىً آخر ليسكنها حتى حين.
تقول زوجة الطبيب المبصرة معللة انقطاع المياه: ".. هذه هي إعاقة الحضارة، فقد أدمنّا الراحة التي تحققها لنا أنابيب المياه في بيوتنا، ونسينا أنه كي تصل المياه إلى بيوتنا فيجب أن يكون هناك من يتحكم بصمامات التوزيع، فتحا وإغلاقا، وخزانات المياه العالية والمضخات التي تحتاج إلى الطاقة الكهربائية، حواسيب تنظم العُجوزات وتدّور الاحتيباطي وكل هذه العمليات تحتاج إلى استخدام الأعين".
ومن الشخصيات التي رسمها ساراماجو بدقة في روايته تلك الشابة الجميلة الغانية التي أصابها العمى أثناء عملها، ورغم ذلك جعل المؤلف القارئ يتعاطف معها عبر إظهار اهتمام تلك الفتاة بوالديها وقلقها عليهما، فتظل تفكر في وسيلة ليطمئنوا عليها، وكأن الكاتب يوجه رسالة ضمنية للقارئ أن لا شخص سئ تماما بل في كل منا جوانب للخير.
تقع هذه الشابة بعد أن تصاب بالعمى في حب رجل عجوز أعمى مثلها، لا تراه ولا يراها، أصلع، بعين عوراء، لكن حين تسترد الشابة بصرها وترى العجوز الذي أحبته تتراجع عن قرارها وتتركه.
وتتلاحق الأحداث ليتوقف بنا المؤلف في كنيسة المدينة لنرى تمثال السيد المسيح وقد وضعت على عينيه عصابة، ووصفت زوجة الطبيب هذا الفعل قائلة: "هذا من فعل شخص ما تزعزع إيمانه على نحو سئ وربما كان أيضا قس الكنيسة هو من فعل ذلك ربما اعتقد أنه ما دام العميان لا يستطيعون رؤية الصور فيجب ألا تكون الصور قادرة على رؤية العميان بالمقابل، إن الصور ترى بأعين من ينظرون إليها".
يختتم الكاتب روايته بأن يعيد الى الناس أبصارهم واحدا تلو الآخر، فيسر الناس كثيرا وينزلون في الشوارع هاتفين، محتفلين بعودة أبصارهم.
وتقول زوجة الطبيب لزوجها في النهاية حين سأل لماذا عمينا؟ قائلة: "لا اعتقد أننا عمينا بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون".

منقول عن شبكة محيط

اضغط هنا للذهاب إلى الرابط الأصلي للموضوع

إرسال تعليق Blogger

 
Top