1

هشام عودة/ منذ أن ظهر البريد الإلكتروني، والاتكال عليه يزداد يوماً بعد يوم. والملايين الذين كانوا يخطُّون رسائلهم على الورق ويتوجَّهون إلى مكتب البريد لإرسالها أملاً في وصولها إلى وجهتها بعد عشرة أيام، علَّهم يحظون بجواب بعد عشرين يوماً، صاروا يرسلون رسائلهم من غرفة نومهم إلى أصقاع الأرض المختلفة، ليحصلوا على الأجوبة بعد دقائق. ومعظم أبناء الجيل الشاب اليوم، لم يجد نفسه مضطراً ليكتب رسائله على الورق، ولم يقصد مرة مكتب بريد. ولكن هل يعني ذلك موت البريد التقليدي؟ الجواب الذي قد يفاجئ الكثيرين هو أن البريد التقليدي لا يزال ينمو ويتطور. «فالبريد الملكي» في إنجلترا مثلاً يوزع 84 مليون رسالة يومياً، عبر 14376 مكتباً بريدياً. وبلغت عوائده السنوية 9056 مليار جنيه استرليني في العام 2006م. وبعد تدني أرباح هذا البريد باستمرار لمدة عقدين، حقق في العام 2008م أرباحاً بلغت 321 مليون جنيه. ولو ألقينا نظرة خاطفة على الموقع الإلكتروني الخاص بالبريد السعودي، لوجدنا أنه يتألف اليوم من 1230 مكتباً و82 وكالة و770 مكتب تمثيل بريدي، ويغطي 6123 مدينة وبلدة وقرية، ويتعامل سنوياً مع 950 مليون مادة بريدية ما بين رسالة وطرد وغير ذلك. وأكثر من ذلك، يكشف الموقع عن خطط تطويرية مدهشة لجهة اعتماد أجهزة البريد الآلي (مثل الصراف الآلي)، وأجهزة أخرى مثل تسليم البريد بواسطة القارئ الكفي..!؟ إذن لا شيء يوحي بأن البريد التقليدي سيخرج في المستقبل المنظور من حياتنا. ولذا يجدر بنا أن نعرفه عن قرب، وأن نعرف شيئاً عن مسيرته التاريخية، لكي نفهم مكانته في عالمنا، ونقيِّم بشكل صحيح أي تطور يطرأ عليه.

أول تاريخه: اختراع الكتابة
يؤكد الباحثون أن حاجة الإنسان إلى نقل كلامه لمسافة بعيدة كان الدافع الأول إلى اختراع الكتابة. ويستدل هؤلاء على ذلك بأن آثاراً وصلتنا من حضارة أوغاريت، تضمَّنت الكثير من الرسائل الملكية. وأوغاريت كما هو معروف هي صاحبة أول أبجدية مسمارية. كما عثر في مواقع كثيرة من بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين على رسائل متبادلة ما بين ملوك هذه البلدان وفراعنة مصر. فقد كان لفراعنة مصر مثلهم مثل الصينيين والفرس والأشوريين أنظمة بريدية منظمة ساعدت ملوك هذه الحضارات على إدارة ممالكهم الواسعة. وكان البريد آنذاك حكراً على المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين. أما العامة، فلم ينعموا بهذه الخدمة، ولم يكونوا أصلاً بحاجة إليها طالما أن معظمهم كان يجهل القراءة والكتابة. ظل البريد منذ نشأته في تلك العصور القديمة وحتى القرن السادس عشر، قائماً على «نظام التتابع». ويقضي هذا النظام بأن يحمل عداء أو فارس الرسالة لمسافة محدودة يسلمها بعد ذلك إلى عداء آخر أو فارس يكون في مكتب بريد على مسافة معلومة، ليتولى هذا نقلها إلى مكتب آخر وهكذا دواليك إلى أن تصل إلى هدفها.

البريد العربي الأول
عرف العرب قديماً عدة أنظمة لإرسال الرسائل من منطقة إلى أخرى. ومن أشهرها نظام إشعال النيران على القمم والمرتفعات الذي اقتبسوه عن البيزنطيين، وذلك لنقل رسالة مختصرة جداً، متفق مسبقاً على ما تعنيه. ولكن البريد بمعناه الحقيقي ظهر في زمن الدولة الأموية. وازدهر في الدول اللاحقة. إذ تشير الوثائق التاريخية إلى أن معاوية ابن أبي سفيان، رضي الله عنه، هو الذي وضع النظام الأول للبريد العربي، وجعل من مدينة البصرة في جنوب العراق مركزاً له. ولاحقاً، طوَّر عبدالملك بن مروان ما بدأه معاوية، حيث أمر بوضع العناوين والاتجاهات والإشارات وتقدير المسافات على الطرق ليستعين بها سعاة البريد الذين ينقلون رسائل الخليفة إلى الولاة والجنود.
وتقول الوثائق أن عدد محطات البريد في أيام الدولة الأموية قارب الألف محطة منتشرة في معظم أرجاء الدولة. وكان لكل محطة رئيسها الذي يراقب السعاة والخيول، إذ ضمت كل واحدة مجموعة من الجياد القوية، ليقوم الرسول أو ساعي البريد باستبدال فرسه المتعب بفرس آخر قوي، ليتمكن من مواصلة طريقه بالسرعة المطلوبة. وأطلق العرب على المسافة بين محطة بريد وأخرى مصطلح «ميل من البريد»، وهي مسافة يترواح طولها بين فرسخين وأربعة فراسخ، ولنا اليوم أن نقدِّر تلك المسافة على وجه الدقة، إذا ما علمنا بأن الفرسخ يساوي ثلاثة أميال. فيما كانت المحطات تعرف باسم «السكك». وفي المتحف الوطني بالرياض يوجد حجر حفر عليه «ميل من البريد وهو على سبعين ميلاً من الكوفة». وجاء في الوثائق أيضاً أن الرسل وسعاة البريد كانوا يقطعون المسافات البعيدة، من دون أن يعوقهم حر الصيف أو برد الشتاء ليلاً ونهاراً. وتم تقدير المسافة التي يقطعها الساعي على صهوة جواده في اليوم الواحد بنحو مائة وخمسين كيلو متراً. ويشير المؤرخون إلى أن البريد العربي بلغ ذروته في عصر دولة المماليك، وتحديداً في عهد الظاهر بيبرس، الذي كان يواجه عدوين لدودين هما الفرنجة والمغول، فأولى تنظيم البريد الأهمية نفسها التي أولاها لتنظيم الجيش، واعتمد في ذلك على شبكة مكاتب السعاة الخيَّالة، وأيضاً على الحمام الزاجل، الذي كان ينقل أخبار التطورات العسكرية على ضفة الفرات، إلى القاهرة خلال يومين، أو أقل.

عصر السرعة.. أينما كان

في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، نمت الخدمات البريدية بسرعة فائقة. فقد أدى تطور الملاحة البحرية، وظهور القطارات إلى تسريع تسليم البريد الذي زاد من رغبة الناس في كتابة الرسائل. وللدلالة على الدور الذي تلعبه السرعة في عالم البريد، نذكر أن فرز الرسائل كان يتم على متن القطارات اختصاراً للوقت. كما أن القطارات زودت بمقابض معدنية تسمح لها بالتقاط أكياس البريد من على أرصفة المحطات التي لا يتوقف فيها القطار. ولم يتأخر البريد الجوي أبداً عن ظهور الطائرة. ففي العام 1910م تم نقل البريد جواً لأول مرة ما بين مدينتين في بريطانيا، وفي العام التالي، نقل طيار فرنسي البريد ما بين مدينتي الله آباد ونايفي جنكشن في الهند. ليتأسس بعد ذلك بأشهر «البريد الجوي» في كل من بريطانيا وأمريكا أولاً، ولاحقاً في كل دول العالم. وأضيف في البريد إلى خدمة نقل الرسائل، خدمات نقل الطرود والبرقيات والحوالات المالية، والوثائق الرسمية. وتوزع مستوى الخدمة ما بين المضمون والعادي وغير ذلك الكثير. عربياً، كان العراق أول دولة عربية تتأسس فيها دائرة رسمية للبريد في العهد الحديث. وكان ذلك في عام 1874م. أما المملكة العربية السعودية فقد كانت ثاني دولة عربية تصدر طابعاً بريدياً، وكان ذلك عام 1334هـ، في إطار تطوير البريد السعودي بعد توحيد المملكة على يد جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز. إذ قبل دخول الملك عبدالعزيز الرياض عام 1319هـ، كان أصحاب الدكاكين في الرياض يتطوعون للقيام بخدمة البريد في ما يُعرف الآن ميدان العدل (الصفاة)، بوضع أكياس من القماش الأبيض كتب على كل واحد منها اسم مدينة أو قرية. ويضع كاتب الرسالة رسالته في الكيس المناسب، الذي يُرسل إلى وجهته على الدواب التي يستخدمها المسافرون. أما البريد الوارد، فكان يوضع في أماكن خاصة داخل الدكاكين ومن له رسالة عليه أن يحضر ليأخذها. وفي مكة المكرمة وجدة، كان البريد يسير على الدواب. وكان مكتب البريد يتكوَّن من نائب ورئيس له وبائع طوابع يسمى مأمور كشك ومأمور المسجلات والبريد العادي. وكان البريد يُحمل على الجمال إلى الليث وجازان وأبها ونجران وغيرها من مدن الجنوب مرة أو مرتين شهرياً. وبعد إنشاء الخط الحديدي بين جدة ودمشق، صار البريد يُنقل بالقطار. كما كان البريد الخارجي بين جدة ومصر ينقل أسبوعياً بواسطة شركات الملاحة الخديوية والإيطالية والهندية، ومرة كل عشرين يوماً إلى الهند. وفي المملكة، كما هو الحال في كل الدول العربية والعالم، خطا البريد خطوات واسعة متتالية طوال القرن العشرين. ولتنظيم العمل البريدي العربي، فقد تداعت الدول العربية إلى تأسيس «اتحاد البريد العربي» عام 1972م، الذي اتخذ من مدينة دبي في الإمارات العربية المتحدة مقراً له، ويشارك في عضويته ممثلو إدارات البريد العربية. وهناك اللجنة العربية العليا للبريد، وهي إحدى اللجان التابعة للجامعة العربية ومقرها في القاهرة. كما باتت معظم الدول العربية تشارك في عضوية اتحاد البريد العالمي الذي تأسس عام 1874م واتخذ من مدينة جنيف السويسرية مقراً له. وتهدف هذه التجمعات المهنية إلى تنظيم العمل وتطوير مهارات العاملين في البريد، وتفعيل الاتفاقات والقوانين الدولية التي تحمي البريد وتمنع استغلاله من البعض في شحن مواد تتعارض مع القوانين المرعية في الدول الأعضاء.

العصر الذهبي للرسالة الشخصية

من المرجح أن الفترة الواقعة ما بين خمسينيات القرن العشرين والثمانينيات منه، شهدت العصر الذهبي للبريد العالمي، وبشكل خاص على صعيد الرسائل الشخصية.
ففي تلك الفترة، كان البريد الجوي قد انتظم في كل دول العالم، كما كان عدد الرحلات يزداد باستمرار. وفي تلك الفترة كان الاتصال الهاتفي بعيد المدى باهظ التكلفة، كما أن الهاتف لم يكن متوافراً في كل البيوت. ومن جهة أخرى لم تكن آلات مثل الفاكس قد ظهرت بعد. ومن جهة ثالثة كان السلام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية عاملاً مشجعاً على السفر والهجرة. فتوافرت بذلك كل العناصر المغذية للبريد وتنشيطه. بحيث كان بإمكان الذين يتبادلون الرسائل بانتظام، توقع وصول الرسائل الجوابية في يوم محدد، ونادراً ما كانوا يخطئون. وتمتع البريد آنذاك بنسبة مدهشة من الأمان، حتى إن البعض كانوا يضمنون رسائلهم بعض الأوراق النقدية كهدايا، من دون الخوف عليها من الضياع أو السرقة.

ضربات متتالية غير قاضية
عاشت الرسالة الشخصية ردحاً طويلاً من الزمن وهي تتخذ شكلها الجميل شبه الموحَّد: ورقة أو أكثر ضمن ظرف مغلق، وعلى الظرف العنوان، يعلوه الطابع الملوَّن الذي يرمز بمضمونه إلى معلم ثقافي في تلك البلاد البعيدة التي أتت منها الرسالة. وعلى الطابع، الذي يمثل دفع أجرة النقل ختم البريد الذي يؤكد قانونية عملية النقل بكل أوجهها. في أواسط القرن العشرين شاع استخدام جهاز التلكس، وهو نظام توجيه البرقيات مشفرة، فيستقبلها جهاز مماثل يفك الشيفرة ويقدِّمها مطبوعة. ولكن استخدام جهاز التلكس بقي نظراً لكلفته المرتفعة حكراً على المؤسسات. ثم ظهر «الفاكس» في ثمانينيات القرن الماضي، وهو أقل تكلفة من التلكس، يصور الرسالة ويرسلها هاتفياً. فقضم الفاكس شيئاً من الرسالة المهنية، ولكن ليس الكثير من الرسائل الشخصية. إلى أن ظهر البريد الإلكتروني.

البريد الإلكتروني
تعود جذور البريد الإلكتروني إلى العام 1973م، تاريخ ابتكار نظام الـ «أربانيت» لنقل المعلومات من جهاز كمبيوتر إلى آخر. وفي مطلع الثمانينيات، تم تحويل نظام الأربانيت إلى الإنترنت. ومع ذلك، فإن رسالة إلكترونية نرسلها اليوم، تشبه في أسسها الرسائل التي تبودلت في النصف الأول من السبعينيات. ولكن كان على البريد الإلكتروني أن ينتظر انتشار جهاز الكمبيوتر بين أيدي العامة، كي يصبح وسيلة رائجة لتبادل الرسائل، وهذا ما حصل منذ الأمس القريب. فقد أعاد البريد الإلكتروني ترتيب الأولويات في حياة المجتمعات، ولم يعد الشباب وحدهم منحازين لهذا النوع من المراسلات، بل انتقلت «عدوى» التكنولوجيا إلى المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية والشركات ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها، بسبب انخفاض كلفة هذه المراسلات من جهة، وسرعة وصولها إلى الجهة المستهدفة من جهة أخرى، مخترقة الفضاء والمسافات الطويلة التي تتطلب وقتاً حتى عند أسرع أنواع المراسلات التقليدية. في البريد الإلكتروني، وجد مستخدموه فضاء أوسع، وحرية لم تكن متوافرة لهم في السابق، فلا تخضع رسائلهم للرقابة مهما احتوت من معلومات. وبكبسة زر واحدة يستطيع صاحب الرسالة أن يبعث بها إلى أعداد كبيرة من الأشخاص المستهدفين في مختلف جهات الأرض، بعكس الرسائل التقليدية التي لا تصل إلا لعنوان واحد فقط، ولشخص بعينه دون غيره من الناس. وصار بإمكان مستخدمي البريد الإلكتروني حيازة أكثر من صندوق بريد في الوقت نفسه، بأسماء وهمية، يستقبلون عبرها رسائل وصوراً ووثائق وغيرها من المواد القابلة للإرسال، بالصوت والصورة أيضاً، ودفع ذلك بهواة هذا النوع من المراسلات إلى تشكيل مجموعات بريدية، قد تبدو في الظاهر متجانسة، إذ تقوم بتبادل أفكارها وآرائها بين أعضاء المجموعة بسهولة. وإذا كان رب العائلة الوقور، أو الشاب المتعلم المثقف، هو الذي يحرص على اقتناء صندوق البريد التقليدي في السابق، فإن أفراد العائلة جميعاً، وخاصة من فئة الشباب، ذكوراً وإناثاً يملكون صناديق بريد إلكترونية هذه الأيام، وهي صناديق تبدلت طريقة فتحها لاستلام ما بداخلها. فقد تم استبدال المفتاح الصغير الذي تم الحصول عليه من إدارة البريد، بكلمة سر خاصة بالبريد الإلكتروني، تمثل مفتاحاً سحرياً لهذا الصندوق العجيب. ويستطيع الشخص المعني استبدالها في أي وقت يشاء، حفاظاً على سرية مفترضة، وخوفاً من تعرض محفظة رسائله لقرصنة إلكترونية. لا بد من الاعتراف أن الرسالة الإلكترونية سحبت البساط من تحت الرسالة الورقية التقليدية. وهناك الملايين من أبناء الجيل الشاب في وقتنا الحاضر الذين لم يكتبوا أية رسالة ورقية في حياتهم. ولكننا نشدد هنا أن الرسالة التي تلقت هذه الضربة الإلكترونية هي الرسالة الشخصية فقط. أما باقي الرسائل وخاصة في مجال الأعمال، فلا تزال ورقية، وما زالت العمود الفقري للبريد أينما كان في العالم، بدليل الأرقام التي أوردناها عند بداية حديثنا هذا. وللتعويض عن خسارته الكبيرة في عالم الرسائل الشخصية، عرف البريد كيف ينوع خدماته، على صعيد نقل الطرود وفق مستويات مختلفة من السرعة والخدمة. فظهر البريد السريع المعروف باسم «EMS» الذي يغطي حالياً أكثر من سبعين دولة في العالم، ويمكن بواسطته إيصال أية رسالة أو طرد إلى هدفه في مهلة زمنية لا تتجاوز الأربعة أو خمسة أيام. وإلى ذلك، أضاف البريد إلى خدماته في بعض الدول الحوالات المالية، وإمكانية استصدار جواز سفر عبر مكاتبه وغير ذلك الكثير مما يتنوع بين بلد وآخر.

شكراً لساعي البريد
يمكن استلام البريد أينما كان في العالم بواحدة من طريقتين: إما عبر صندوق البريد المستأجر في مكتب البريد، وإما بواسطة الساعي الذي يحملها من مكتب البريد إلى عنوان المرسل إليه. وفي العصر الذهبي للرسائل الشخصية، كان للصندوق ولساعي البريد مكانتهما في الحياة اليومية للناس أينما كان. فمجرد فتح الصندوق كان مصدر إثارة وتشويق يتكلل بالبهجة عندما تظهر فيه رسالة، ومصدر خيبة إذا كان فارغاً.
أما ساعي البريد، فكان عَلَماً اجتماعياً في القرية والمدينة على حد سواء. وفي كل بلدان العالم، كان يتميز عن غيره بلباسه الرسمي، فكانت إطلالته إيذاناً باحتمال الحصول على رسالة من الغائبين. ومن العادات الطريفة التي كانت شائعة عند البعض في البلاد العربية، أن يضيفوا إلى عنوان المرسل إليه على الظرف عبارة: «شكراً لساعي البريد»، اعتقاداً منهم أن هذه الملاطفة ستدفع الساعي إلى الاهتمام الخاص بهذه الرسالة أكثر من غيرها، وسيعمل على إيصالها إلى وجهتها بسرعة استثنائية..؟! وخلال تاريخ البريد الطويل كانت شخصية الساعي تتغير وتتطور ببطء. فإذا كان الساعي القديم الذي ينقل الرسالة على ظهر جواد يعدو بسرعة قد يصل إلى وجهته معفراً بالغبار ومرهقاً، فإن صورة ساعي البريد الحديث تكاد تكون لافتة بأناقة الهندام (صورة المؤسسة التي يمثلها)، والحقيبة التي يعلقها بكتفه. أما وسيلة النقل الخاصة به، فلم تتجاوز الدراجة، لأن محطات توقفه غالباً ما تكون متقاربة من بعضها. أما التغير الأكبر الذي طرأ على صورة الساعي في وقتنا الحاضر، فيعود إلى تراجع الرسالة الشخصية أمام الرسالة الإلكترونية. واقتصار البريد الذي يحمله الساعي على أوراق الأعمال والطرود والتبليغات الرسمية. ومن الطبيعي أن تختلف مشاعرنا تجاه من يحمل إلينا رسائل من الأحباء المسافرين، عن ذلك الذي يحمل لنا كشفاً بالحساب المصرفي، أو رسالة إعلانية، أو مجلة اشتركنا بها ونتوقع وصولها من دون أية مفاجأة.

أول بريد سريع.. الحمام الزاجل
كان الإغريق أول من استخدم الحمام الزاجل في مراسلاتهم، وانتبهوا إلى وظيفته في المجتمع. فمن خلاله تم نقل نتائج الألعاب الأولمبية من مكان إقامتها إلى المدن البعيدة ليتسنى للمواطنين معرفة أخبار الرياضة المحببة إليهم. لكن أول استخدام عسكري للحمام الزاجل، حسب المصادر التاريخية، كان في زمن الإمبراطور الروماني أوكتافيوس الثالث، الذي استخدم هذا النوع من الحمام لتبادل الأخبار والخطط العسكرية مع قائد جيشه بروتس الذي حاصرته قوات مارك أنطوني في مدينة «فودليا»، وهو بروتس نفسه الذي خلده الكاتب الشهير وليم شكسبير في مسرحيته ذائعة الصيت يوليوس قيصر. ولم يقتصر استخدام الحمام الزاجل على الإغريق فقط، فقد استخدمه الفراعنة والفرس والعرب أيضاً، وكل حسب حاجته وحسب مصلحة بلاده العليا. وفي هذا الإطار، تشير المصادر التاريخية إلى أن الخليفة العباسي المعتصم علم بخبر انتصار جيشه على بابك الخرمي وأسره بواسطة رسالة نقلها حمام زاجل إلى قصره من موقع المعركة. ويقول الجاحظ في معرض توثيقه لوظيفة الحمام الزاجل ودوره في الحياة العامة «إن العرب تعرف أنواع الحمام الزاجل كما تعرف أنساب الخيول». وفي هذا إشارة واضحة إلى الاهتمام المتزايد الذي أبداه العرب تجاه هذا الطائر العجيب الذي قدم فتحاً كبيراً في عالم الاتصالات في العصور القديمة. واذا كانت مهمة الحمام الزاجل قد اقتصرت على نقل الرسائل العسكرية من المركز إلى قادة الجيوش المحاربة من أجل المشاركة في إدارة المعركة، فإن وسيلة الاتصال هذه انتقلت من بغداد العباسية إلى الدولة الأموية في الأندلس. وظلت الرسائل التي ينقلها الحمام الزاجل مقتصرة على الجانب العسكري بشكل خاص والجانب الرسمي للدولة بشكل عام، ليصبح هذا الحمام وسيلة رئيسة في الاتصال بين قادة الجيوش العربية الإسلامية وسكان المدن العربية التي حاصرها الفرنجة في الحروب الصليية. وتشير الدراسات التي تعاملت مع مهمة الحمام الزاجل على مر العصور إلى أن نسبة الخطأ في إيصال الرسالة هي متدنية جداً قياساً بالجهد البشري. أي أن هذا النوع من الحمام الخاضع للتدريب المكثف نجح في إيصال الرسائل إلى أصحابها بعيداً عن المطاردة والرقابة والخوف من التفتيش أو وقوع الرسالة في يد الأعداء. وذهب الأمريكيون والبريطانيون في العصر الحديث إلى استخدام الحمام الزاجل ضمن ترسانة جيوشهم المقاتلة كما تشير إلى ذلك صفحات الحرب العالمية الأولى ووثائقها وخاصة في المناطق التي تعرَّض فيها الجيش البريطاني للحصار من قبل الجيش الألماني. وانتبه العالم مؤخراً إلى ضرورة الحفاظ على الحمام الزاجل والعناية به، فتم تأسيس الاتحاد الدولي للحمام الزاجل ومقره في العاصمة البلجيكية بروكسل، ليضم في عضويته عدداً من الاتحادات العربية الشبيهة في الوظيفة نفسها ومن بينهم الاتحاد المصري. كان القائمون على استخدام الحمام الزاجل في العصور القديمة يربطون إلى رجله رسالة قصيرة ومكثفة تحمل أسئلة أو إجابات وتوضيحات ويتم إطلاقه باتجاه الجهة المقصودة التي هي المكان الذي اعتاد العيش فيه، ونُقل في قفص منه، ليعود إليه عندما يُطلق سراحه. وبهذا اعتبرته الوثائق التاريخية أسرع وسيلة اتصال في ذلك الوقت أو «البريد السريع»، القادر على الطيران في الليل، والطيران لمسافات بعيدة.

نشأة البريد الحديث
غداة انتهاء الحروب الصليبية، ازدهرت حركة التجارة الدولية ما بين أوروبا والشرق الإسلامي. وهذا ما دفع التجار والشركات التجارية إلى تأسيس خدمات النقل الخاصة بهم. وببطء راحت الجهات التي أنشأت بريدها الخاص تتكاثر لتشمل بعض المجموعات الدينية الأوروبية ومنظمات العمال، والجامعات. وبعد اختراع الطباعة وانتشار التعليم والمعرفة بدءاً من القرن الخامس عشر، ازداد الطلب على الخدمات البريدية. وفيما كان ملوك أوروبا يحسنون تنظيم بريدهم الرسمي ويرفعون كفاءته، كانت الخدمات البريدية الخاصة تنبثق أينما كان. ففي العاصمة النمساوية فيَّنا، نظَّمت عائلة تاكسيس واحداً من أشهر الأنظمة البريدية الخاصة، حتى أنها كانت في مطلع القرن السابع عشر توظف نحو 20 ألف ساعي بريد، يجوبون معظم أنحاء أوروبا. ولكن، وبشكل عام، ظلت هذه الخدمة بطيئة نسبياً ومرتفعة التكاليف، وتعتمد مثل البريد القديم على الخيول والعربات، والسفن لنقلها إلى ما وراء البحار. التطور البارز الكبير في تلك المرحلة، ظهر في القرن السابع عشر، عندما لاحظت الحكومات المكاسب الكبيرة التي تحققها شركات نقل البريد، فأنشأت مكاتب بريد عامة، وبعضها منع الجهات الخاصة من نقل الرسائل.

الرسالة في الأدب.. بُدئت الكتابة بعبد الحميد
يمكن الجزم بسهولة أن العرب كانوا أول من ارتقى بالرسالة إلى مستوى الأدب وحتى الفلسفة. فقد شهد ديوان الرسائل الذي أنشأه الخليفة معاوية بن أبي سفيان، رضي الله، عنه، عدداً من كبار الأدباء الذين تعاقبوا على إدارته، كان أشهرهم عبدالحميد الكاتب الذي تولى أمر هذا الديوان في عهد الخليفة مروان بن محمد. وقد عرف عبدالحميد بالبراعة في فن كتابة الرسائل حتى غدت رسائله مضرب مثل في الإتقان وقيل «بُدئت الكتابة بعبدالحميد». ومن أشهر رسائله واحدة وجهها إلى عمال مروان بن محمد في الأمصار يأمرهم بمحاربة لعبة الشطرنج، ورسالته إلى الكتاب التي أصبحت دستوراً لمهنة الكتابة، ورسالة كتبها عن مروان إلى ابنه وولي عهده عندما وجهه إلى محاربة الضحاك بن قيس الشيباني الذي ثار في العراق. وفي الدولة العباسية لمع عدد من أسماء الكتاب الذين أبدعوا في فن الترسل. نذكر منهم يحيى بن خالد البرمكي وابنه جعفر، وأحمد بن يوسف الكاتب، والصاحب بن عباد وضياء الدين ابن الأثير.. وغيرهم. وقد تطور فن الرسائل وتوسع مفهومه حتى ابتعد عن أصله، أي عن كونه نصاً موجهاً إلى جهة محددة. ومن الأمثلة على ذلك «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، وهي رحلة خيالية كتبها
أبو العلاء رداً على رسالة وجهها إليه علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح يسأله فيها عن جملة من الأمور تتصل بالتاريخ والفقه والتصوف والأدب والنحو وغير ذلك.. جاءت رسالة الغفران من شقين: ينطوي الشق الثاني على رد أبي العلاء على المسائل التي تؤرق ابن القارح. أما الشق الأول، فهو رحلة متخيلة إلى العالم الآخر، هو الذي ضمن الخلود لأبي العلاء، نظراً للآراء التي يتضمنها ومزجه الجد بالسخرية في إبداء موقفه من أهم قضايا عصره. ولا يختلف الأمر كثيراً في الفلسفة الأوروبية والأدب الأوروبي. فهناك عشرات المفكرين والأدباء الذين جمعت رسائلهم في كتب، نظراً لأهمية محتوى هذه الرسائل. ومن هؤلاء نذكر على سبيل المثال الكاتب الإيرلندي الساخر جورج برنارد شو، الذي جمعت رسائله إلى الممثلة إلين تاري والملاكم جين توني وغيرهما في كتب. أما رسائله إلى السيدة باتريك كاميل، فلم تجمع فقط في كتاب، بل تحولت إلى مسرحية بعنوان «عزيزي الكذاب». غير أن واحداً من أخطر الكتب في الفلسفة الأوروبية والفرنسية تحديداً واستخدم فن الرسالة لتحقيق غايته، هو كتاب المفكر الفرنسي مونتسكيو «رسائل فارسية». فهذا الكتاب الذي صدر عام 1721م، يتخذ شكل رواية ساخرة، موضوعها رحلة يقوم بها نبيلان فارسيان إلى فرنسا في ذلك العصر. ومن هناك يكتبان رسائل إلى ذويهما في أصفهان يصفان فيها الحياة في فرنسا وعاداتها وقيمها وكل ما في المجتمع الفرنسي من ميزات وعيوب. وتتضمن هذه الرواية مئة وخمسين رسالة، تلخص في الواقع نظرة المفكر إلى واقع الحال في بلاده، ونقمته على الأوضاع الاجتماعية والسياسية. فكان هذا الكتاب بلا شك من جملة العوامل التي غذّت التذمر الشعبي، وقادت لاحقاً إلى الثورة الفرنسية.

ساعي البريد.. في الأدب والفنون
حظيت شخصية ساعي البريد باهتمام كبير من الأدباء والفنانين. حتى صار بطلاً للكثير من القصص والروايات والقصائد والأغنيات والأفلام السينمائية.
ولعل فلم «البوسطجي» المأخوذ عن رواية الكاتب يحيى حقي، نجح في تناول جانب مسكوت عنه في حياة هذه الشريحة من الموظفين، حين سمح هذا الرجل لنفسه بالتجسس على أخبار الناس من خلال قراءة رسائلهم، والتعرف إلى كثير من أسرار القرية، ومن بينها جريمة قتل، حين اعتقد أنه بصمته كان شريكاً في تلك الجرائم. أما أشهر فلم في السينما الغربية حول ساعي البريد فهو فلم «إلبوستينو»، المقتبس عن رواية تدور حول إقامة الشاعر التشيلي بابلو نيرودا عام 1970م في جزيرة «إيسلا نيغرا» في التشيلي. غير أن الفلم ينقل الرواية إلى جزيرة إيطالية في المتوسط، ويعود بها زمنياً إلى الخمسينيات. يروي هذا الفلم قصة شاب إيطالي يُدعى ماريو تمرَّد على مهنة أبيه العامل في صيد السمك، وقرر أن يصبح ساعي بريد، يسلِّم الرسائل إلى شخص واحد مقيم على الجزيرة، هو الشاعر نيرودا المنفي من بلاده لأسباب سياسية. ويستعرض الفلم في إطار الصداقة التي تجمع الاثنين الكثير من الجوانب الأدبية والسياسية والاجتماعية وصولاً إلى زواج ماريو ومن ثم مقتله في تجمع سياسي، وعودة نيرودا إلى التشيلي، ومن ثم رجوعه إلى الجزيرة سائحاً ليستلم شريط تسجيل تركه له صديقه الراحل وعليه أصوات الجزيرة وحتى صوت اغتياله في التجمع. وفي معظم الأحيان تعاملت القصائد والأغاني مع ساعي البريد باعتباره رسولاً بين العشاق والمحبين، فهو وحده من يستطيع اقتحام كل المواقع دون أن يثير شبهة أو أسئلة محرجة، بسبب وظيفته التي تتطلب ذلك. ومن المؤكد أن تلك القصائد والأغنيات قد حمَّلت ساعي البريد أكثر من طاقته، وربما دفعت به إلى ممارسة دور لا يخص وظيفته أصلاً. وهذا ما يفسر موقف شاعر عاشق، ينتظر ساعي البريد بشوق واضح، معتقداً أن ما يعجز هو عن فعله، من الممكن أن يعوضه هذا الرجل الذي يحمل أسرار الناس، فيقول موجهاً خطابه إليه: وضعت بين يديك اليوم أسراري فكن شفوقاً على قلبي وأشعاري وكن رسولاً عطوفاً في مضاربها لعلها تتملى بعض أعذاري وفي قصيدة أخرى يقول شاعر ملهوف تعلَّقت عيناه بخطوات ساعي البريد واتجاه حركته: ساعي البريد تأخر المكتوب والقلب ياسيدي بالعشق معطوب وفي هذا الإطار شاعت كلمات أغنية الفنانة فيروز التي تخاطب من خلالها ساعي البريد، فتقول: يامرسال المراسيل ع الضيعة القريبة خذلي بدربك هالمنديل واعطيه لحبيبي وهي بذلك تريد أن يكون المنديل هو رسالتها للحبيب، بدل تلك الرسائل التقليدية التي اعتاد ساعي البريد إيصالها لأصحابها. وكم تمنى العشاق تقمص شخصية ساعي البريد، من أجل أن يقوموا بإيصال رسائلهم إلى من يحبون بأنفسهم، بعيداً عن إثارة فضول الآخرين الذين لا يتوجسون من حركة هذا الرجل الذي يبدو مخولاً بطرق جميع الأبواب. وفي أغنية أخرى تقول فيروز بلغة الندم على رسائل عديدة وجهتها لحبيبها دون أن تتلقى الرد على أي منها: كتبنا وما كتبنا يا خسارة ما كتبنا كتبنا مية مكتوب ولهلأ ما جاوبنا إشارة لما تعنيه الرسائل بين المحبين الذين يختصرون بمكاتيب المحبة الكثير من الكلام. لكن مائة رسالة ظلت تسير باتجاه واحد خلقت حالة من الغضب التي برزت على شكل عتاب للحبيب الذي تجاهل الرد على رسائلها. وفي فترة سابقة شاعت أغنية الفنان محمد عبدالمطلب التي يخاطب من خلالها الحبيب بقوله: «ابعت لي جواب وطمني». فالرسالة هي مصدر الاطمئنان.. الاطمئنان إلى حال الأحباء أياً كانوا وأينما كانوا.

الطوابع وهواة جمعها
كانت بريطانيا أول دولة في العالم تصدر طابع بريد، وكان ذلك عام 1840م، وكان الطابع يمثل صورة جانبية للملكة فيكتوريا باللون الأسود وحدد ثمنه ببني واحد. أعقبه بعد ذلك طابع برازيلي عرف باسم «عين الثور» عام 1843م، والتحقت مصر بهذا الركب فأصدرت أول طابع عربي عام 1866م. وما هي إلا سنوات معدودة حتى كانت كل دول العالم المستقلة تصدر طوابعها البريدية الخاصة، التي أصبحت لازمة ضرورية من لوازم الرسائل البريدية. وعلى مدى أكثر من قرن ونصف القرن شكَّلت الطوابع البريدية جزءاً أساسياً من شخصية الرسالة، وأكثر من ذلك، عملاً فنياً كاملاً ذا خطاب واضح. فقد أتقنت دول العالم إصدار طوابعها البريدية منذ البداية، وأولته الاهتمام المماثل لاهتمامها بطباعة أوراقها النقدية، إن على مستوى اختيار المواضيع، أو لجهة حسن الطباعة والتنفيذ. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تجد هذه الأعمال الفنية الصغيرة هواة يحبونها ويجمعونها.

موضوعات طوابع البريد
استوعبت طوابع البريد شتى المواضيع من دون أي قيد أو شرط غير أن تكون مستمدة من ثقافة البلد الذي يصدرها ومعالم الحياة فيه وأعلامها. فنرى مثلاً صور الملوك. والبلد الذي لم يتخلَّ يوماً عن صورة ملكه هو بريطانيا، حتى في الطوابع التذكارية التي تكون موضوعاتها مختلفة، نرى صورة خيال لوجه الملكة تعلو الطابع. واستطراداً نشير إلى أن بريطانيا هي البلد الوحيد الذي لا يذكر اسمه على الطابع، طالما أن أول طابع ظهر فيها، كما أنه لا يذكر نوع النقد بجانب الرقم إذا كان الثمن أقل من جنيه استرليني. وإضافة إلى صور الحكام، نرى صور الأبطال التاريخيين، مثل بطل استقلال أمريكا الجنوبية سيمون بوليفار على طوابع فنزويلا وكولومبيا والأرجنتين وغيرها، ونرى المنتجات الوطنية مصدر اعتزاز بلد معين، مثل المجموعة التي أصدرتها فرنسا في الستينيات تكريماً لصناعات تصميم الأزياء والعطور والمجوهرات.. ونرى أيضاً صور العلماء والمخترعين مثل آينشتاين على طابع أمريكي، وأيضاً اللوحات الفنية وخاصة في دول أوروبا اللاتينية (فرنسا، إيطاليا، إسبانيا) التي أصدرت طوابع تكريمية لكل الكبار من فنانيها ولوحاتهم. وتشمل موضوعات الطوابع أيضاً الحياة الفطرية بكل ما فيها من نباتات وحيوانات وأشجار، من دون أن ننسى الأشجار الوطنية كما هو حال الأرز في لبنان وورقة الدلب، رمز كندا. وفي عصر الاستعمار (حتى النصف الأول من القرن العشرين)، كانت المستعمرات شبه محرومة من حق إصدار الطوابع، كما أن بريدها هو في أيدي المستعمرين. ولذا كنا نرى الطوابع البريطانية العادية مثلاً تدمغ بالخط الأسود قبل استعمالها بعبارة «الهند» أو «الصين»، تماماً كما كانت الطوابع الفرنسية تدمغ بعبارة «إفريقيا الغربية الفرنسية» لاستعمالها هناك.

جمع الطوابع

بدأ جمع الطوابع كهواية منذ الأيام الأولى لصدور الطابع البريطاني الأول. وإن بقيت هذه الهواية حكراً على صغار السن في بدايتها، فإنها سرعان ما صارت هواية الكبار، وتطورت في القرن العشرين لتضم كبار الأثرياء القادرين على أن يدفعوا عشرات أو مئات آلاف الدولارات ثمناً لطابع نادر. ولكن بعيداً عن الجانب التجاري أو الاستثماري في جمع الطوابع وبشكل خاص النادر منها، تكمن القيمة الكبرى لهذه الهواية في بعدها الثقافي. فمن يجمع الطوابع عليه أن يرتبها في مجلدات خاصة لهذه الغاية وفق انتمائها إلى هذه الدولة أو تلك. كما أن عليه أن يدرسها عن كثب ليرى أي اختلاف بينها وبين طابع مشابه على صعيد اللون أو السعر، وحتى حالة الطابع نفسه وما إذا كان ممزقاً أو ينقصه سن عند حافته. وخلال هذا الدرس، والتمعن في محتوى كل طابع على حدة، يكوّن الهاوي ثقافة عامة قد لا تتوافر له بصيغتها هذه وتنوعها من أي مصدر آخر. فيصبح وهو لا يزال على مقاعد الدراسة ملماً بصور حكام العالم والأبطال التاريخيين في هذه الدولة أو تلك، ونوعية الحياة الفطرية فيها، وموردها الاقتصادي الأول وغير ذلك الكثير. وبسبب جاذبيتها، أصبحت هواية جمع الطوابع الهواية التجميعية الأولى في العالم من دون أي منافس قريب. وأصبح عدد جمعيات هواة جمع الطوابع في العالم بالآلاف (في المملكة مثلاً، توجد جمعيتان لهواة جمع الطوابع ومقرهما في الرياض). وتصدر سنوياً أربعة كاتالوجات شاملة بكل طوابع العالم مع تقدير أسعارها الحالية في حالتي الطابع: جديد ومستعمل. وهذه الكاتالوجات هي: ستانلي غيبونز في بريطانيا، وسكوت في أمريكا، ومايكل في ألمانيا، وأيفير في فرنسا.

نكسة الطابع.. وليس الهواية
قبل عصر الإنترنت، واجه الطابع محاولات الاستغناء عنه، عندما راحت بعض مؤسسات البريد في أمريكا أولاً ومن ثم في أوروبا وباقي دول العالم، تستعيض عنه بختم يمهر به الظرف يشير إلى دفع قيمة النقل، بدلاً من شراء طابع لهذه الغاية. وقد رفض أفراد كثيرون اعتماد الختم، وتمسكوا بطابع البريد، خاصة في رسائلهم الشخصية. ولكن المؤسسات التي صارت توجه الرسالة الواحدة بالجملة إلى المئات والآلاف من الناس، لم تكن تبالي. لا بل ظهر الختم وسيلة فعالة ومريحة أكثر من إلصاق طابع على كل ظرف على حدة. ومن ثم جاء تداعي عالم الرسالة الشخصية في عصر الإنترنت ليوجه ضربة قاسية لطابع البريد، ولكن ذلك لم يقضِ نهائياً على الطابع. بدليل أن الدول لا تزال تصدر طوابعها، لا بل إن تطوراً جديداً عزز بعض الشيء من كرامة الطابع الجريح. إذ ظهرت في أمريكا عام 1992م، آلات بيع طوابع البريد في الشوارع على غرار آلات الصراف الآلي. كما أن دوائر البريد في كل بلدان العالم، لم تفقد اهتمامها بالطابع، الذي لا يزال يشكِّل مورداً مالياً مهماً لها، نظراً لإقبال الهواة عليه. ولذا نراها حتى اليوم لا تزال تصدر الطوابع التذكارية في مجموعات لمناسبات مختلفة، وتسوق بعضها بأسعار باهظة عبر ما يعرف اليوم الأول للإصدار، حيث يلصق الطابع على ظرف خاص، ويمهر بختم البريد على أنه «اليوم الأول»، الذي يبدو مختلفاً عن باقي الأيام، من وجهة نظر جامعي الطوابع طبعاً. أما لماذا، فالجواب عندهم.

البطاقات البريدية للتحيات والأيام الجميلة
تعود جذور البطاقات البريدية إلى ما قبل ظهور الطوابع. وكانت في بداياتها، عبارة عن قطعة من الورق المقوى المزين ببعض الزخارف البسيطة، التي تمت طباعتها بواسطة الحفر على الخشب، ومن ثم بالحفر على الحجر (الليتوغرافيا). وكانت هذه البطاقات تسلم باليد، ويقتصر استخدامها على تبادل التحيات أو توجيه الدعوات، أو بعض المجاملات الاجتماعية. ولكن مع القفزة التي قفزها البريد تنظيماً وتنشيطاً، ظهرت في العام 1861م، البطاقات البريدية الحكومية (مدفوعة الأجرة مسبقاً)، وظلت هذه البطاقات قيد التداول حتى العام 1873م. أما البطاقات غير الحكومية، أي التي يجب أن تدفع أجرة نقلها في مكتب البريد، فقد ظهرت في النمسا أولاً عام 1869م، وبدءاً من العام التالي انتشرت البطاقات المصورة انتشار النار في الهشيم في كل أنحاء أوروبا. فقد أدى تولي القطاع الخاص مهمة إصدار هذه البطاقات إلى التفنن في اختيار موضوعاتها بما يرضي كل الأذواق والاهتمامات. ومع انتشار آلات التصوير الفوتوغرافي، وتطور الطباعة الملونة، ظهرت البطاقات البريدية القائمة على الصور الفوتوغرافية الملونة في العام 1939م، وما زالت صناعتها قائمة حتى اليوم. وبشكل عام، تبقى البطاقة البريدية، التي يمكن إرسالها من دون وضعها داخل ظرف، مؤلفة من لوح صغير من الورق المقوى، ينقسم خلفه الأبيض بخط عمودي، بحيث تكون نصف المساحة مخصصة لكتابة نص صغير، والنصف الآخر لكتابة العنوان، أما وجه البطاقة فتطبع عليه صورة، لا حدود للموضوعات التي يمكن أن تمثلها، شرط أن تستجيب لشرط واحد: أن تكون جميلة ومعبرة بشكل جميل. وبناء على هذا يمكن القول إن البطاقات البريدية كانت ولا تزال أعمالاً فنية حقيقية ومتكاملة وإن كانت صغيرة. وقد ارتبط ازدهار هذا الفن بشكل خاص بحركة السفر والسياحة. فمن المهمات التقليدية التي ما كان يجوز للمسافر أو السائح بشكل خاص أن يهملها، كان إرسال البطاقات البريدية من وجهة سفره إلى ذويه وأصدقائه في وطنه. ولذا طغت على هذه البطاقات الصور الفوتوغرافية التي تمثل مشاهد سياحية وثقافية عامة خاصة بالبلد الذي تُصور وتروج فيه. وانتبه الكثيرون إلى الأهمية الجمالية والثقافية لهذه البطاقات، فكان شأنها شأن طوابع البريد، وسرعان ما تحولت إلى مادة هواية بالنسبة إلى الكثيرين الذين راحوا يجمعونها. حتى صارت الهواية التجميعية الثالثة في العالم بعد الطوابع والعملات. وتحظى البطاقات البريدية وتاريخها بمتحف خاص هو «متحف البطاقة البريدية» القائم في مدينة شيكاغو الأمريكية، الذي يعرض لزواره المسيرة التاريخية التي قطعتها هذه الجوهرة الطباعية - البريدية منذ نشأتها وحتى اليوم... اليوم الذي يبدو فيه بعض المسافرين، وخاصة الشبان، يستعيضون عن البطاقات الجميلة الملونة والمفرحة، برسالة قصيرة عبر هاتفهم الجوال.. فهل تتغلب هذه الرسائل القصيرة على التاريخ الطويل للبطاقات البريدية وصناعتها العملاقة؟ حتى الآن لم يحصل الأمر، ولكن الخطر على البطاقة البريدية يبقى قائماً.

البريد والرسالة.. لغوياً
اختلف المؤرخون واللغويون العرب على نسبة كلمة «بريد». فبعضهم، مثل الزمخشري، رأى أن الكلمة عربية وتعني الرسول. فيما ذهب آخرون إلى نسبة كلمة البريد إلى البردة، وهي العباءة، إذ كان على ساعي البريد، أي الرسول الذي يحمل الرسائل، ارتداء عباءة حمراء ليتميز بها عن غيره من الناس. وجاء في «الموسوعة العربية العالمية» أن «كلمة بريد فارسية معربة أصلها «بريده دم»، ومعناها «مقطوع الذنب»، لأن بغال البريد كانت مقطوعة الأذناب علامة لها. ثم عُرِّبت الكلمة وخففت. ويدور معنى البريد عند العرب على معنى الرسول، فهم يقولون الحمى بريد الموت، يريدون أنها رسوله، تتقدمه وتنذر به. ويقولون لطائر الغرانق: البريد، لأنه ينذر قدّام الأسد». أما الرسالة، فهي تسمية واسعة لأي نص موجه إلى أفراد أو جماعة. وقد تكون الرسالة رسمية وجادة في نغمتها، غير شخصية، أو تكون تعبيراً ذاتياً خاصاً، أو بين الأمرين. وتضيف الموسوعة: إن لكلمة الرسالة أيضاً معنى دينياً، كأن يقال رسالة الإسلام بمعنى مضمون الإسلام ومقاصده وأهدافه الدينية والدنيوية. كذلك شاع استخدام كلمة الرسالة في أسماء بعض الأعمال الأدبية والفنية والعلمية في التراثين العربي والغربي.

المصدر/ مجلة القافلة

إرسال تعليق Blogger

 
Top