0

حميد شاكر/ يبدأ مخرج فيلم المليونير المتشرد ( داني بويل ) بإحالتنا إلى الاختيارات الأربعة في البرنامج العالمي ( من يربح المليون ) ولكي نكون في قلب الحدث في فيلم المليونير المتشرد, طرح للمتلقي تلك الاختيارات الأربعة التي رافقت بطل الفيلم ( جمال مالك ) المتباري في البرنامج، والاختيارات هي ( الغش , الحظ , العبقرية , القدر ) واللحظات الأولى للفيلم تبدأ بدخان الشرطي المحقق في أحد مراكز الشرطة في مدينة موبي , حيث الفائز جمال مالك يتعرض للضرب والاهانة , إنها ثمرة فوزه بالبرنامج في عالم مبني على الغش و الجريمة. فلم المليونير المتشرد يطرح مجاميع من الاسئلة التي تعاني منها مجتمعات العالم الثالث بأكملها . خاصة بعد ظهور موجة العنف والتطرف الديني الإسلامي , المسيحي , اليهودي .. وحتى الديانة البوذية المتسامحة دخلها جنون الطرف والذي شوه مفاهيمها رجالات الدين الجدد , حيث يخضع الفرد لتفسيرات واهية بعيدة عن روح الأديان والتي بنيت من أجل التسامح والمحبة ونبذ العنف. إن هذا التطرف ما هو إلا نتاج مشوه للمفاهيم الدينية , حيث تخضع تلك المفاهيم لتفسيرات واهية بعيدة عن مفاهيم الأديان وأخلاقيتها المثالية المتسامحة. بطل الفلم جمال مالك شاب هندي مسلم قتلت أمه نتيجة لهجمة من بعض الهندوس المتطرفين , لكننا نجده طوال فترة الفلم عاشقا مغرما بحيببته الهندوسية (لاتيكا) التي يضحي من أجلها بكل شيء. إرتكز السيناريو على حبكة متفرقة حيث انتقالات الأحداث من مركز الشرطة الى محطات التلفاز والتي تنقل لنا أحداث أنتصاره بالأجابات الصحيحة والمحيرة , لأن بطل الفيلم لم يكن سوى عامل شاي لكنه يجيب ويربح وكل ذلك يتم عن طريق خزين الذاكرة التي يعتمد عليها , إذ يتصادف ان الأسئلة التي تترى عليه قد أستنتجت أجوبتها من أسرار حياته وصعابها ودمارها , وابتداء من السؤال الأول الذي يطرح عليه بالبرنامج وهو عن الممثل الذي قام بدور البطولة في فلم ( زنجير ) فيجيب بان بطله هو الممثل الهندي الشهير ( اميتاب ) حيث المشهد الجميل / القبيح والذي يحصل فيه على توقيع بطل الفيلم على صورته . هذه الذاكرة الجميلة يحتفظ المواطن الهندي والبوذي والمسيحي والهندوسي , هي ثيمة لها دلالات كبيرة لانها تحيلنا الى وطن اسمه الهند للديانات المتعددة أنها المواطنة الحقيقية , رموز الوطن الذي لا يمكن أن يتجزأ الهند بكل أطيافه وقومياته , الكل يعشق الرموز فيه ( أميتاب ) الفنان ( غاندي ) السياسي ( طاغور) الشاعر وغيرهم , انها الذاكرة الجمعية الوطنية والتي لا تتجزأ أو تتفرق مهما أراد المشعوذون والقارئون الجدد للمفاهيم الدينية التي أضحت تفسر بمفهوم أقتصادي لا روحي , دين ينتج ربحاً هو الصحيح ودين لا ينتج ربحاً هو الخاطئ. المحور المهم في الفلم هو محور القناة التلفازية والتي تنقل وقائع البرنامج حيث المقدم الذي يريد أن يربح القناة بأي شكل من الأشكال ويخسر المتباري , إنه جزء من سلطة إعلامية كاذبة حيث الارتباط الوثيق بمراكز الشرطة والتي تقرر داخل جدرانها ما هو الصح وما هو الخطأ , الضابط في الشرطة يريد الاعتراف بالغش من الرابح / المتباري ( جمال ) حيث نشاهد إن مقدم البرنامج لا يريد خسارة العشرة آلاف ربية في الاول ولذلك يتصل بمركز الشرطة لكي يدان الفائز وترجع الأموال الى القناة , لنجد أنفسنا أمام معادلة مضحكة الفوز بالملايين = تعذيب + ضرب + أهانة + صعق كهربائي . كل تلك الطرق البذيئة التي تنتجها طرق التعذيب من أجل قلب الحقائق نجدها متوافرة , رغم ان بطل الفلم يجيب وبكل ثقة ووضوح عن عالمه الخاص , السرقة أيام الطفولة , الجريمة التي أرتكبها أخوه الأكبر ( سالم ) , علاقة الحب التي لا يفرط بها مع حبيبته ( لاتيكا) جمال بالذاكرة الغنية الممتلئة وصور التطرف التي انتهت بموت امه , ذاكرة السرقة والنصب والاحتيال في ضريح تاج محل , سرقة الاحذية للسياح وغيرها , تلك الذكرة المرة هي التي انتجت الأجوبة الصحيحة لكل الاسئلة التي واجهها حيث المخادعات الصعبة التي يحاول أن يوقع بها مقدم البرنامج والتي كان يؤكد عليها مستعينا بالاهانة التي تتعلق بمهنته الرخيصة ( بائع شاي). جمال في الفيلم ذاكرة جمعية لملايين البؤساء في الهند , هند المهراجات والجائعين , هند الطوائف والأديان المتعددة , هذه الجغرافيا المتغيرة ليوم جنوبه محترق وشماله منجمد , كل تلك التنافرات والتناقضات يمر عليها المخرج(بويل) مرورا سريعا جميلا مستعينا بسيناريو ذكي حيث البداية تبدأ من منتصف أحداث الفن ليرجع بنا الى مقدمة الاحداث وبين منتصف الاحداث وبدايتها يتم كشف شخوص الفن الاربعة (جمال) واخيه (سالم) والعشيقه (لاتيكا) ومقدم البرناج بالاضافة الى بعض الشخوص الثانوية ومنهم شخصية رئيس العصابة (مامان) أعتمد الفلم تقنيا على كاميرا سريعة متحركة ولقطات سريعة تكاد الا تجعل للذاكرة لحظة لتفكر بها، لكنها تطبعها في الذاكرة حيث تترجم بعدها واحيانا نجد لقطات اين الطائر حيث قدرية الشخوص والتي تسلط عليها دون ارادتها ومنها نشهده مقتل (سالم) في نهاية الفيلم اختيارات الامكنة التي ساعدت في اكتمال المشهد السينمي ، حيث (مومباي) الفقيرة والجميلة (مومباي) باحيائها المدميه والعشوائيه وموباي في بنائها الشامخ وبنائها كل تلك المشاهد المتناقضة توصلك الى جوهر البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لعالم رهيب يشرق على الهند بوادت الالف من الابناء الذين لا يملك اباؤهم بيتاً يسكنونه ، وغروب يموت فيه الالف على ارصفة مدنها الفقيرة. فلم المليونير يفضح لنا ويكشف معاناة الشعب المليار نسمة حيث العيش الرغيد عن طريق الصدفة، صدفة الربح السريع التي تلهب كل قلوب فقراء الهند الذين يتجمعون على شاشات التلفاز ليتماثلوا ويتشاركوا الربح والخسارة لشخصيه بث والذي صار مثالا ناطقا لهذه الملايين في لحظات المباراة الجميلة والسؤال الاخير،انتظار مشهود بالحذر الشوارع ممتلئة بشاشات التلفاز، البيوتات التي لايهمها شيء سوى نتيجة حرب جمال ضد مقدم البرنامج المحتال القوي والمموه اللعوب الذي لايريد ان تخسر قناته تلك المليونات من الربيات ، ويفوز جمال في السؤال الاخير والذي يصبح فيه جمال بائع الشاي مليونيرا لكننا لانجد لهذا الربح من تغيير على شخصية هذا الهندي الفقير لانه لم يعشق المال بل عشق حبيبته الهندوسية (لاتيكر)وينتهي الفلم بانتظاره لها في محطة القطار لينطلق الى وطنهم الخاص، وطن الحب الذي لم ولن تفرقه الاديان والقوميات أوالحدود ببعدها أو قربها المليونير قصيدة رثاء للفقراء تكسر حدود الثراء وتطيح به، قصيدة حب لوطن يعمل مناجل ان تستمر الحياة رغم مصائبها ومعاناتها، المليونير قصيده سينمائية اطاحت بقصائد المخرجين العظام في اكبر واغلى مهرجان سينمائي الا وهو مهرجان الاوسكار والتي فاز بها الفيلم الهندي دون ضغوط سياسية ودون علاقات ملتويه مع لجان التحكيم والتي ترفع وتطيح بمن تحب وبمن تره الفلم طرح معادلة مفادها ان الحب هو الجنة والجنة هي الوطن هذه المعادلة المتوازنة المستقرة هي النتاج الروحي لا النتائج المادي التي تبناها البطل دون التحاق بحزب او فئه او سلطة حكومية انها معادلة الضمير المتحرك اتجاه المثال الاجمل والاعلى والمتمثل في نقاء العلاقات الانسانية المتشابكة المتلاحمة والمتلاحقة. ان غير المألوف في هذا الفليم ، انه خلا من الاغاني وهذا الاختيار الصائب يعتبر تحديا لقوانين سينمية هنديه لايمكن كسرها فذائقة المتلقي الهندي لن تكتمل دون اغراق الفيلم بالاغاني ولكن هذا التحدي الجميل كان قد سبق وتحدى في ستينيات القرن الماضي حيث قدم شاعر السينما الهندية(ساتيا جيتر راي) ثلاثيته الشهيره حيث قدم فيلم اوبوا دون اغان وفاز في وقتها بالسعفه الذهبية في مهرجان كان. ها هي( بوليوود ) تكرر ما فعله راي ويفوز (المليونير المتشرد)بثماني جوائز أوسكار ، انها ليست ضربة حظ بل انها سينما الاحتراف الطويل الهند والتي تنتج سنويا اكثر ما تنتجه (هوليوود) واوربا والعالم العربي والمجتمع.

المصدر/ جريدة الصباح

إرسال تعليق Blogger

 
Top