0


لسنوات طويلة وكلما خطر ببالي الكاتب الراحل غالب هلسا (1932 - 1989) أشعر به لا يزال حياً مسجوناً في شريط كاسيت كنت سجلت عليه حواراً مرتجلاً معه في دمشق آخر عام 1987.
Image وكانت ميزة ذلك الحوار المرتجل انه كان افضل من الحوار «المرتب» الذي حاولنا ان نجريه قبل أيام في مقهى الهافانا، وبدا فيه غالب مشتتاً بحركة البشر الذين يمرون خلف الزجاج، وبزوار المقهى الذين يقترب بعضهم منا ليلقي التحية، وكانت النتيجة ان الحوار الصحافي فشل. كنت في زيارة قصيرة لحضور مهرجان دمشق السينمائي بصفتي صحافية مقيمة في الكويت. وفي مساء اليوم الأخير للمهرجان مرّ غالب على فندق الشام فجلسنا في البهو وانضم إلينا الشاعر بيان صفدي، وعندما قلت لهلسا إنني مغادرة صباح اليوم التالي من غير أن نكمل الحوار، عرض علينا بيان ان يستضيفنا في بيته في منطقة «برج الروس»، كي نبتعد من الصخب في الفندق. تحمس غالب للفكرة، على عكس الجلسة السابقة، وسجلنا الحوار على «كاسيت» تبرع لنا به صديقنا المشترك، فمحونا بذلك أغاني ساخرة بصوت ياسر العظمة تبقت منها نتف على أطراف الكاسيت. هذا ما اكتشفته عندما وجدت «الكاسيت» بعد تلك السنوات وأعدت سماع الحوار عليه وكأن غالب لا يزال يعيش بيننا. وانتابني شعور بأن تلك التداعيات الخاصة بعملية الكتابة والتي يندر ان يعلن عنها أدباؤنا في شكل عام، تستحق ان تقدم للقارئ قبيل ذكرى رحيل هلسا يوم 18 كانون الأول (ديسمبر)، وهو اليوم ذاته الذي ولد فيه.

«ثلاثة وجوه لبغداد»
في ذلك المساء المبلل بالمطر المتقطع، أقبل غالب على البوح عن هموم الكتابة بتدفق شديد. بدا مرتاحاً للفكرة ومنشرحاً في الحديث، واعترف بأنه أثناء الجلسة السابقة كان في حال من الكآبة ولم يتمكن من التركيز. حكى غالب وكأنه كان في عيادة نفسية بحيث جعله سؤالي عن الكتابة يقفز الى مرحلة الطفولة، فيستعيد أولى المحاولات التي كان الهدف منها تسجيل أحلامه وهو في سن التاسعة في المدرسة الداخلية. «الغريب ان الأحلام هي من أبرز عناصر كتابتي اللاحقة، اكتب تقنية الحلم. رواية «ثلاثة وجوه لبغداد» مثلاً، كلها أحلام وكوابيس وليس فيها واقع. منذ صغري والحلم يفتنني. لكن، وراء ذلك سبب مهم، انه منذ وعيي على العالم وأنا اشعر بالملل. ملل لا ينفيه شيء. دائماً بانتظار حدوث شيء ما يخرجني من هذا الملل والحياة الروتينية اليومية. بالتالي، فإن الحلم خروج عن هذا السياق، والأشياء في الأحلام جميلة ومنمقة، خصوصاً الأحلام التي يوجد فيها الماء، مثل أن يكون هناك بحر. أصحو من الحلم وأبقى بعدها لساعة وأنا في حالة شعور بأنني عشت ذلك الجمال فعلاً. من النادر أن يعطي الواقع هذا الشعور، من هنا هذا الالتصاق الوثيق بالحلم، ففيه عودة الى عالم الطفولة، الى حيث العالم ملتبس والأشياء تحدث فيه بطريقة فهم الطفل لها، وهذه معطيات تشكل الفانتازيا. أتابع بعض الكتاب، خصوصاً العرب منهم، فأرى الفانتازيا عندهم مملة».
لم يكتف غالب بأن يحكي كمن يجلس الى طبيب نفسي ويكشف عن لا وعيه، بل انه كان يأخذ دور المحلل نفسه وهو يفكك رموز مريضه. يقول مثلاً وهو يحاول أن يفسر سرّ انجذاب البشر الى أحلام الماء: «نظرتي الى هذا الأمر، ان الإنسان اصله سمكة وفي داخله شوق كبير للماء».
غير أن تقنية الأحلام والفنتازيا لم تدفع بغالب هلسا الى كتابة أعمال سوريالية، خصوصاً في الفترة التي نشأ فيها واطلع على الأدب الغربي وكانت السوريالية لا تزال رائجة. فالالتصاق بالحلم تقوّى عنده بعد قراءة لكافكا بحيث تمنى لو انه هو كاتب هذا النص، أو انه يريد أن يكتب مثله. «السورياليون يذهبون الى الفانتازيا لأسباب أخرى غير أسبابي التي تميل الى الحلم الواقعي النقي الذي يوصل للقارئ حالة الحلم الحقيقي، كما هي عند كافكا، أسباب لا تكمن خلفها معطيات سياسية أو فرويدية. السوريالية تغرّب كثيراً، الى درجة تتجاوز الحلم».

البدايات
الكتابة التي بدأت في الطفولة كتسجيل لحلم الليلة الفائتة، هل فقدت وظيفتها العفوية وباتت بالضرورة اكثر تنظيماً؟ يجيب غالب: «حتى الآن، لا أعرف ان كان اختياريا كوسيلة تعبير صحيحاً أم لا. لا أعرف لماذا اخترتها أساساً وأنا صغير. اعتقد أن لها علاقة بعقد الطفولة. لقد أنهيت السنوات الأربع للمرحلة الابتدائية في سنتين، ثم انتقلت الى مدرسة داخلية اكتشفت معها انني لست فقط اصغر طفل في المدرسة، بل ان أصغرهم يكبرني بثلاث سنوات على الأقل. سبّب لي ذلك إحساساً بالهامشية وبأنني ليست لي قيمة في هذا المكان. وأذكر ان اثنين من الطلبة الكبار كانا ضخمين وبدينين، وعندما كنت أسير في المدرسة تنتابني حالة من الرعب لا مثيل لها، من انهما قد يدهسانني، لأنني غير مرئي بالنسبة إليهما، وقد يقضيان عليّ. كان لدي إحساس بأنني أقلّ من الآخرين، ولا يزال هذا البناء النفسي يرافقني حتى الآن. بدأت الكتابة في سن صغيرة كأنني أريد أن أبرر لهؤلاء الطلبة الكبار انني أملك شيئاً مميزاً عنهم. لكنني لاحظت ان الكتابة لم تحل المشكلة، فأثناء سيري مرة مع اثنين من أبناء صفي، شاهدنا اثنين من الزملاء كانا على خلاف معهما، فقررا أن يدخلا في شجار من منطلق «اننا اثنان وهما اثنان»، وعندما نبهتهما بتباهٍ بأننا ثلاثة، سخرا مني. واكتشفت انني غير مرئي بين زملائي وأن الكتابة لم تكن قيمة لديهم. هذا الإلغاء المستمر حرضني على رغم ذلك، على ان اثبت نفسي في المجتمع من خلال الكتابة. ولكن هذا الدافع انتهى الآن، فالآخرون يعاملونني على قدم المساواة. ما جدوى الكتابة إذاً!».
في التداعيات نفسها، يكشف غالب عن قناعته بأن الكتابة اكثر حكمة من الحياة، وأن آراءه في الكتابة اكثر حكمة وابعد رؤية من سلوكه الواقعي. ويستشهد على ذلك بقصة كتبها وهو في سن الثامنة عشرة وظهرت بعد ذلك في مجموعة «وديع والقديسة ميلادة» (1969): «في الحلم الواقعي كانت السعادة في منتهاها تتحقق في ان أسير مع فتاة جميلة في حديقة غنّاء تتوسطها بحيرة، لكن ما كتبته في القصة كان مختلفاً، ففي الحديقة نفسها المملوءة بالعشاق والورد، وعلى رغم وجود فتاة جميلة، فإن بطل القصة يشعر بالقرف ويريد إنهاء العلاقة في شكل ما. ولغاية الآن أعيش هذه الازدواجية: سذاجة في الواقع وقدر كبير من الحكمة في كتاباتي. مثلاً، أي شيء يسحرني في تعاملي مع الناس ويجعلني انفعل. لكن في الكتابة وأمام المعطيات نفسها، أجد نفسي أدرك الآخر في شكل مختلف. وهذا يدلل الى أنني كلما ازددت حكمة، فإنها تكون في الكتابة وليست في الحياة».
«أعيش الحياة بإحساس مزدوج: إحساس بالذنب من أن اي متع في الحياة هي على حساب الكتابة، ما يشبه دور الأم الغيورة التي تخصي أبناءها ليبقوا جنبها. والكتابة عندي لها هذا الدور، وهي تدفعني لإنهاء أي متعة بحجة الكتابة. ارتبطت مرة في مصر بعلاقة جميلة استمرت ستة أشهر، كنت مستغرقاً فيها الى حد لم أعرف الملل كما في أوقات أخرى.
كانت علاقة ناضجة ومعطياتها مقنعة ولست بحاجة الى صورة مثالية مكملة للمرأة كي أتقبلها. كانت ملكة في كل شيء، تتصرف كملكة، مثلاً عندما يصلها شيك من الإذاعة بعد إفلاس، توزع المبلغ على من حولها لتسعدهم وتسعد نفسها. وعلى رغم تلك السعادة، إلا أنني كنت أشعر بالذنب انني لا اكتب، فالعلاقة أخذتني من حالة الكتابة. في مرة كنا جالسين في البيت فحكيت لها عن رغبتي بالعودة الى الكتابة، وأعطيتها القلم والورقة وقلت لها: «اكتبي عنواناً لها فيدك مبروكة». خطت هي العنوان الذي خطر ببالها وكتبت تحته (بقلم غالب هلسا). في تلك اللحظة كنت أتأمل الورقة ولم ادر كيف صدر صوت من شخص آخر في داخلي وقال لها: العلاقة انتهت. وفعلاً العلاقة بيننا انتهت. الأدب يصبح أحياناً بديلاً عن الحياة وأي محاولة لاستغراق الكاتب فيها يعني استحالة الإبداع. البشر نمطان: نمط يستمتع بالحياة، وهذه جنة محروم منها من يكتبون، ونمط يعيش ليراقب نفسه وهو يعيش الحياة. هذه الخصوصية تتبعني الى أدق خصوصياتي، في قمة توهجي بعلاقة ما اشعر ان هناك شخصاً آخر يراقبني ويكتب اللحظة. وفي رواية «الخماسين» شخصية نسائية تقول لحبيبها: «أنت كذاب، وطوال الوقت اشعر انك تكتب اللحظة ولا تعيشها».
يصف غالب ما سبق بأنه داء هموم الكتابة، «عندما كتبت ما كتبت لا أعرف لماذا جعلت بطلة الرواية تقول ما قالته، أنا اليوم أرى الأشياء بوعي جديد. لقد أرادت ان يتواصل معها الحبيب في العمق، وكانت الكتابة حاجزاً بينهما».

أصول الشخصيات
ويواصل غالب بوحه فيحكي عن الشعور المزدوج بالذنب الذي يعيشه من خلال علاقاته الإنسانية، ليس انه فقط يعيش على حساب كتابته، بل انه أحياناً يكون «دنيئاً» في تلك العلاقات بحسب تعبيره، عندما يستغل الآخرين وأسرارهم وخصوصياتهم كمادة للكتابة. «الناس تكون جالسة معاك جلسة ودية وانفتاح خالص بينك وبينهم، ثم يتحولون الى شخصيات مدانة وقبيحة في العمل الفني، بصورة لا تستطيع ان تتحكم بها. هذه المسألة واضحة عندي كثيراً الى درجة ان أصدقائي في مصر كان في إمكانهم ان يدلوني على أصول شخصياتي الروائية. بعضهم قاطعني لأنني صورته او صورت جوه العائلي بصورة لم تعجبه. أذكر أن شاباً أدخلني الى بيته وتعرفت الى أمه وأبيه واخوته وبتّ أتردد عليهم كثيراً، ووجدت نفسي من غير ان أتقصد، ارسم هذه العائلة بصورة سلبية ومضحكة. خسرت الصديق وكان قريباً الى قلبي، ولم ينته التوتر بيننا الى الآن. الكتابة بهذا المعنى غير أخلاقية!».
«استعير من الواقع نماذج وأغير فيها لأجد نفسي في هذا التغيير اكشف في الشخصية اكثر مما تكشفه حياتها الواقعية. انه الحدس عند المبدع. من هنا الكتابة أقوى من الواقع. في إحدى المرات استعرت شخصية فتاة، كانت ليست فقط متحررة جداً، بل مبعثرة وضائعة، لكنها في الكتابة عندي، كان مآلها انها تحولت الى انسانة متصوفة. وعندما زارني زوج أختها بعد سنوات في بيروت، سألته عنها، ففاجأني بحقيقة أنها باتت متدينة... الحدس الإبداعي ان تسبر الشخصيات الحقيقية في دواخلها قبل ان تنقلها الى الإبداع».
هذا الحوار مع غالب هلسا الذي سجلت منه بعض فقراته هنا جرى عام 1987، وكان غالب قد اصدر كل أعماله ما عدا «الروائيون» التي نشرت في العام التالي. وعلى رغم تلك المسيرة الطويلة في الإبداع، فإنه بدا غير واثق من نفسه ومن موهبته. يقول: «إحساسي بالكتابة انني أقوم بعمل لن يعيش، كل كتابة انتهي منها أراها مجرد عمل «ملخبط» أخجل منه. وهذا يفسر ان أول مجموعة قصصية لي نشرت بعد 13 سنة من كتابتها، كذلك مجموعة «زنوج وبدو وفلاحون» (1976)، ورواية «الضحك» نشرت بعد كتابتها بعشر سنين. أخفي الأعمال في البداية كأنني ارتكب فضيحة، وعندما يطلع عليها أحد الأصدقاء ويقول لي: «إن العمل مش بطال»، أحصل على بعض الثقة التي تدوم حتى اليوم الثاني فقط. أنا بذلك أشبَّه بالبنت القبيحة في العائلة التي تظل تشعر بالحاجة الى المديح المستمر والى علاقات مع رجال يثبتون لها انها جميلة. أنا لدي الإحساس نفسه، دوماً اشعر أنني قمت بعمل غير جيد، وعندما ينشر، احتاج ان يكتب عنه الآخرون بإيجابية كي أثق بنفسي. وعندما تنقطع الكتابة عني ستة اشهر مثلاً، ولا يأتي أحد على سيرتي في الصحف ينتابني شعور بأنني كاتب غير مهم».

غالية قباني: جريدة الحياة/ ت ن: 9/ 12/ 2008

إرسال تعليق Blogger

 
Top