0

مقدمة من المترجم: جميع الشعوب والمفكرين يختلفون، ولكن تبقى نقطة أو نقاط مشتركة بينهم تفيد مجتمعهم يعملون من أجلها، وهنا علينا أن نتذكر دائماً أن اليهود ليسوا من منبع واحد، وأصولهم لا تلتقي في الدم ولا في النشأة أو في التراث والتربية، ورغم كل ذلك نشأ من بينهم زعماء أقوياء في التصميم والعمل الجاد في كل بلد عاشوا فيه، فعمل أولئك الزعماء من أجل جمع شمل اليهود في العالم في بلد واحدة، فكانت أقوى المنظمات اليهودية التي جمعت عدداً من أفضل رجالهم من المثقفين والمتعلمين ورجال المال والأعمال فشكلوا المنظمة الصهيونية. اختلف زعماؤها مع بعضهم في أحيان كثيرة، ولكن بقي هدفهم واحداً وهو تجميع اليهود وحفظ كرامتهم وتوحيدهم وجمعهم، وهنا أنقل للقارئ الكريم ترجمة عن سيرة شخصين من يهود العالم هما آينشتاين ووايزمن، وما استطاعا أن يحققا لجمع اليهود، ولكسب دعم الغرب كاملاً للعمل معهم على تثبيت اليهود ونقلهم وترحيلهم إلى فلسطين لتكون وطناً قومياً موحداً لليهود من جميع أجناسهم وقومياتهم ولغاتهم ومعتقداتهم، ولم يكونا وحدهما في هذا التخطيط والصراع، بل سنتعرف عبر المقال التالي على حياة وسعي كثيرين آخرين من يهود أوربا ويهود أمريكا من العاملين لفكرة القومية اليهودية الصهيونية.

نص المقال:
زيارة ألبرت اينشتاين الأولى للولايات المتحدة عام 1921 أثارت نوعاً من الهستيريا الجماعية، وأعادت إلى الأذهان آثار زيارة فريق البيتلز إلى أمريكا بعد وصول آينشتاين بأربعة عقود. ولكن أظهرت وثائق نشرت حديثا، تبين أنه نشب خلاف حاد بين الصهاينة الأوروبيين وبعض من زملائهم اليهود الأميركان عبر المحيط الأطلسي، ومنهم ويس برانديز وفيليكس فرانكفورتر الذي رأى أن أفضل طريقة لليهود هي العمل أولاً على الاستيعاب وليس التحرك من أجل وطن قومي لليهود.
الجولة الأولى لألبرت اينشتاين في أميركا كانت رائعة وفريدة من نوعها في تاريخ العلوم، وبالفعل كانت أثار زيارته ملحوظة في مجالات عدة: فخلال جولته التي امتدت لشهرين في ربيع عام 1921 والتي اثارت نوعا من الهيجان الجماهيري، وتملق الصحافة التي تهدف التشويق، بمتابعة نجم الروك آينشتاين، إذ اقتحم النجومية العالمية في الآونة الأخيرة بشكل كبير إثر ملاحظاته التي أعلنها خلال الكسوف الكلي للشمس في تلك الفترة، وتضمنت تأكيد نظريته في النسبية من خلال إظهار أن حقل جاذبية الشمس تكسر شعاع الضوء إلى الدرجة التي تنبأ بها. وهللت صحيفة نيويورك تايمز لهذا التصريح بإظهاره بعناوين كبيرة. والتالي نماذج من تلك المانشيتات التي ظهرت في الصحف أيامها
جميع الأضواء تميل في السماوات / رجال العلم أكثر تلهفاً على نتائج الملاحظات عن الكسوف / انتصارات نظرية أينشتاين / مواقع النجوم ليست حيث تبدو لنا أو حيث تبينها الحسابات، ولكن لا يقلقن أحد.
وهكذا عندما وصل آينشتاين الى نيويورك في نيسان / أبريل، استقبلته الحشود بعشق في أكبر احتفال عالمي علمي، وكرمز لطيف يمثل القيم اليهودية وكقديس شفيع لليهود.
ومع ذلك فالصفحات المنشورة حديثا عن زيارته في تلك السنة تظهر جانبا أقل بهجة لزيارة اينشتاين الشهيرة. فقد وجد نفسه متورطا في معركة بين الصهاينة الأوربيين المتحمسين بقيادة حاييم وايزمن، الذي كان يرافق اينشتاين في الرحلة، وبين زعماء اليهود الأميركان الذين هم الأكثر حنكة وحذراً، بما في ذلك ويس برانديز، وفيليكس فرانكفورتر، والقائمين على إنشاء شركات وول ستريت المصرفية. وهناك نزاعات أخرى جرت حول الصهيونية فيبدو أنها السبب في عدم توجيه الدعوة لأينشتاين لإلقاء محاضرة في جامعة هارفارد، ودفعت الكثير من يهود مانهاتن البارزين على رفض دعوة منه لمناقشة مشروعه الحيوانات الأليفة، وإنشاء جامعة في مدينة القدس.
وعن المدى الكامل لهذا الجدل، والتي تم التطرق له فقط في الكتب السابقة (بما في ذلك سيرة كتبت في عام 2007)، وقد كشف النقاب عن مراسلات أينشتاين والأوراق للعام 1921 والتي نشرت مؤخرا من قبل مطبعة جامعة برينستون.
أي من الرسائل المكتشفة حديثا (وجميعها متوفرة في دائرة المحفوظات العمومية)، لم ينشر معظمها من قبل. والكتاب الذي بلغت عدد صفحاته ال 600 صفحة من المجلد الثاني عشر، جمعت محتوياته حتى الآن من المحررين بمشروع أوراق اينشتاين، إن جمع الرسائل والوثائق ذات الصلة معا تسمح لنا الآن أن نرى، بل وأكثر وضوحا مما أوضحه اينشتاين في ذلك الوقت، وتبين النضال السياسي والعاطفي الذي خاضه.
نشأ آينشتاين في أسرة يهودية ألمانية علمانية، و (ما عدا فترة قصيرة من الحماسة الدينية في مرحلة الطفولة) انه ازدرى العقيدة الدينية والطقوس ومع ذلك يعتبر نفسه بفخر أنه من إنتاج التراث اليهودي، وأنه شعر بوجود وشائج قوية مع ما سماهم رجال قبيلته أو رجال القبائل. وظهرت توضيحاته بهذا الشأن في عام 1921 والتي يمكن ملاحظتها في جواب فظ ارسله في وقت مبكر من ذلك العام إلى الحاخامات اليهود في برلين، والذي كانوا قد دعوه ليصبح عضوا ممولاً في المجمع الديني اليهودية هناك. فأجاب "لقد لاحظت أن ماذكرتموه في رسالتكم عن كلمة يهودي هو مفهوم غامض، فهل تشير مفردة (يهودي) (1) إلى الجنسية والمنشأ، و(2) أم إلى الإيمان. أنا يهودي في المعنى الأول، وليس في الثانية ".
وكانت الالمانية المناهضة للسامية آنذاك آخذة في الارتفاع. والعديد من اليهود الألمان فعل كل شيء ممكن، بما في ذلك اعتناق المسيحية، من أجل استيعاب الموقف، وحثوا اينشتاين على أن يحذو حذوهم. ولكن آينشتاين تتبع النهج المعاكس. فبدأ يحدد التراث اليهودي بقوة أكبر، وانه اعتنق التنظيم الصهيوني لتعزيز وطن قومي لليهود في فلسطين.
وكان قد تم دعوته وتجنيده من قبل الزعيم الصهيوني الرائد كورت بلومينفيلد، فأرسل دعوة لآينشتاين في برلين عام 1919 في وقت مبكر.وواجه أسئلة كثيرة منها: لماذا ينبغي إقامة وطن قومي لليهود، ثم ألم تكن زراعية في المقام الأول؟ ولماذا العمل على أن تكون دولة لهم فقط؟ ألا يمكن أن تكون القومية هي مشكلة بدلا من الحل؟ في نهاية المطاف، أخيراً استطاع اينشتاين الالتفاف حول هذه التساؤلات فقال. "أنا كائن بشري معارض للقومية"، وقال لشبكة لومفيلد "لكن كيهودي، فأنا منذ اليوم من المؤيدين للجهد الصهيوني". وأصبح أيضا مدافعاً عن فكره على نحو أكثر تحديدا، وشدد الدعوة إلى إنشاء جامعة عبرية في القدس، والتي أنشئت فعلاً وسميت الجامعة العبرية.
ظن آينشتاين في البداية أن أول زيارة له الى الولايات المتحدة، وهو ما دعاها مازحا "دولاريا" قد تكون وسيلة لكسب بعض المال بعملة قوية مستقرة. وخاض هو وزوجته الأولى مراحل طلاق مريرة، وكانا لا يزالان يتصارعان على الشؤون المالية، فحاول.ماكس آربورغ من مصرف هامبورغ مع شقيقه بول الذي كان مقره في نيويورك دعوة إينشتاين لإلقاء محاضرات مربحة مادياً له. سألا كلا من جامعة برنستون وجامعة ويسكونسن لدعوة إينشتاين لإلقاء محاضرات مقابل رسم قدره 15،000 دولار. في شباط / فبراير من عام 1921، فأجابت ماكس اربورغ : "إن المبلغ الذي تحددونه أمر غير ممكن." لم يكن يصب آينشتاين بصدمة جراء فشل المحاولة، إذ قال "لقد وجدوا أن مطالبي كانت عالية جدا"، وقال لصديقه وزميله الفيزيائي بول إيهرنفيست Ehrenfest. "انني مسرور لعدم الذهاب هناك، ففي الواقع إنها ليست طريقة جيدة لكسب المال." وبدلا من ذلك، وضع خططا أخرى : انه سيتوجه الى بروكسل لتقديم ورقة في مؤتمر سولفاي أمام جمع من علماء الفيزياء البارزين في أوروبا .
ثم كان أن جاء بلومينفيلد إلى شقة أينشتاين مرة أخرى، لكن هذه المرة ومعه دعوة، أو ربما لأمر ما، في شكل برقية من رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، حاييم وايزمن. وهو خبيرالكيمياء الحيوية من الذين هاجروا من روسيا إلى إنكلترا، فطلب وايزمان من اينشتاين مرافقته في رحلة إلى أمريكا لجمع الأموال للمساعدة في تسوية قضية فلسطين، وبوجه خاص، لإنشاء الجامعة العبرية في القدس. فعندما قرأ بلومينفيلد البرقية له رفض اينشتاين الفكرة وقال انه ليس خطيبا، وقال، إنه ليس من اللائق استخدام شهرته لاجتذاب حشود لسبب ما، لم يناقشه بلومينفيلد وبدلا من ذلك، قرأ برقية وايزمان له بصوت عال مرة أخرى. واضاف "انه رئيس لمنظمتنا،" ثم أكمل قائلاً : "وإذا كنت تأخذ الصهيونية على محمل الجد، فيحق لي أن أطلب منك، وباسم الدكتور وايزمان، الذهاب معه الى الولايات المتحدة."
فأجاب إينشتاين "ما تقوله هو الحق ومقنع" مما أثار دهشة بلومينفيلد بلا حدود.ثم أضاف آينشتاين قائلاً "إنني أحسّ في داخلي أنني منذ الآن أصبحت شريكاً في الوضع، وأنه لا بد لي من قبول الدعوة." مما أشعر وايزمن بسعادة غامرة وفوجئ بعض الشيء. ثم أرسل له لاحقاً برقية من لندن قال فيها "أنني بصدق أقدر لكم استعدادنا في هذه الساعة الحاسمة لخدمة الشعب اليهودي".
عكس القرار تحولا كبيرا في حياة إينشتاين. وحتى ينتهي من إكمال النظرية النسبية، كان قد كرس نفسه كليا تقريبا للعلم. ولكن العداء للسامية والتي كانت تنز حتى من حوله في برلين أدى به إلى إعادة تأكيد هويته كيهودي، وجعله يشعر بالتزام أكثر بالدفاع عن ثقافة مجتمعه وشعبه. وكتب إلى ناشره الفرنسي "لست حريصا على الذهاب الى اميركا، ولكنني أفعل ذلك فقط نيابة عن الصهاينة، ويجب عليّ أن أخدم كإنسان شهير وكطير مشارك، وعليّ أن أفعل كل ما بوسعي لأخواني القبليين، والذين يعاملون بشكل حقير في كل مكان."
وهكذا أبحر إينشتاين وزوجته الجديدة إلسا في اواخر مارس اذار 1921 في زيارته الاولى لامريكا. وأثناء الرحلة حاول أن يشرح أينشتاين نظرية النسبية لوايزمان. وردا على سؤال لدى وصولهم عما اذا كان يفهم هذه النظرية، فأجاب وايزمان إجابة خبيثة: "شرح اينشتاين نظريته لي كل يوم، وبحلول الوقت الذي وصلنا فيه كنت مقتنعاً انه فعلا يعرف نظريته تماماً".
وفي الوقت الذي رست فيه السفينة بمنطقة باتري في مانهاتن بعد ظهر يوم 2 ابريل، كان آينشتاين يقف على سطح السفينة، وهو يرتدي قبعة سوداء تخفي بعض ولكن ليس كل ما على رأسه من الشعر الذي وخطه الشيب. ويحمل في يد غليوناً لامعاً من نوع براير ويمسك في اليد الأخرى محفظة كمان مهترئة، وذكر مراسل صحيفة نيويورك تايمز " يبدو أنه مثل فنان" واضاف "لكن تحت تلك النظرة الشعثاء كان عقل علمي صعق خصومه من علماء أوربا."
احتشد الآلاف المنتظرون جنبا إلى جنب مع فرقة طبول فايف اليهودية، وحشد من أعضاء فيلق السلك اليهودي، كانوا ينتظرون في باتري بارك عندما رافق آينشتاين العمدة وغيره من كبار الشخصيات على الشاطئ ثم ركب زورق شرطة. كان الحشود يلوحون بأعلام زرقاء وبيضاء، وغنوا أنشودة "علم النجم اللامع- ستار بانجلد بانر " ومن ثم النشيد الوطني الصهيوني، " هاتكفا أي الأمل". وآينشتاين ووايزمان يتوجهان مباشرة لفندق كومودور، في منتصف المدينة، بدلا من مرافقة الموكب، استمرت سيارات الموكب تجوب الاحياء اليهودية في اسفل الجانب الشرقي حتى وقت متأخر من المساء. "كل سيارة كان تنفخ الزامور، وكل زامور عمل في تلك الليلة" ويتذكر وايزمان انهم وصلوا الى عمدة المدينة فى حوالى الساعة 11:30 متعبين، جائعين، عطشى، ودائخين تماما."
غاب فريق زعماء المنظمة الصهيونية في أمريكا عن معظم احتفالات الترحيب اللاحقة، وحتى أن ويس برانديز الرئيس الفخري لمحكمة العدل العليا لم يقم بشكليات التحية الرسمية أو التهنئة. وكان برانديز قد سافر مع وايزمان إلى فلسطين في عام 1919، وفي العام التالي كان قد ذهب إلى لندن لإنجاح الاتفاق الصهيوني. ولكن بعد فترة وجيزة نشأت عداوة يبنهما. وظهرت بينهما خلافات حول السياسة؛ وكان رأي برانديس أن تركز المنظمات الصهيونية على ارسال اموال الى المستوطنين اليهود في فلسطين وليس على تهييج سياسي. وكان هناك سبب آخر جزئي، وهو الصراع القديم على السلطة؛ حيث أراد برانديس تثبيت مدراء ذوي كفاءات عالية ومن ثم الاستيلاء على السلطة من وايزمان وأتباعه الأكثر حماساً وهم من أوروبا الشرقية. ولكن قبل كل شيء، كانا مختلفين في الشخصية. فوايزمان ولد في روسيا وهاجر الى انكلترا، وتقاسم مع أينشتاين الشعور بازدراء لليهود الذين وجدوا أن من الصعب جدا عليهم تقبلها. أما برانديز فقد ولد في لويزفيل-ولاية كنتاكي، وتخرج من كلية الحقوق بجامعة هارفارد، كما اشتهر كمحام بارز في بوسطن، وكان تعيينه من قبل الرئيس ويلسون ليكون أول قاض يهودي في المحكمة العليا. وكان فريق برانديز ينظرون نظرة دنيا لليهود غير الأنقياء وغير المستوعبين من روسيا وأوروبا الشرقية. حيث قال في رسالة الى شقيقه في عام 1921، كشفت عن خلافات ثقافية وشخصية بينه وبين وايزمن.
فكان الصدام داخل الحركة الصهيونية أمر لا مفر منه. وهي الناتجة عن الاختلافات في معايير اليهود الشرقيين، فهنا الكثير من اليهود الروس في هذا البلد لانعرفون الصدق، ونحن ببساطة لن نعهد أموالنا لهم. نعرف أن وايزمان يعرف الصدق، لكنه ضعيف أمام مساعديه الروس الكثيرين. وبالتالي حصل الانقسام.
كان برانديز في البداية سعيداً لقدوم آينشتاين إلى أميركا، حتى ولو كان برفقة وايزمن. وكتب براندير لحماته قائلاً "اينشتاين العظيم قادم إلى أميركا قريبا مع الدكتور وايزمان رئيسنا الصهيوني".
فلسطين قد تحتاج إلى شيء أكثر من مجرد مفهوم جديد للكون أو لأبعاد إضافية عديدة، ولكن يجدر بنا أن نذكر غير اليهود في العالم، حيث موجة معاداة السامية في تزايد، إلا أنه في عالم الفكر والمساهمات فمن الواضح أن اليهود أنفسهم يساهمون في خلق هذا العداء.
لكن اثنين من المقربين لبرانديز كشفا تخوفه وشكوكه. إذ أن مساعده فيليكس فرانكفورتر، والذي أصبح أستاذا في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وكذلك القاضي جوليان ماك، قالا إن برانديز أراد أن يكون رئيسا للمنظمة الصهيونية في اميركا، وحسب رأيه فمن الافضل لو كانت زيارة اينشتاين في المقام الأول لإلقاء محاضرة في الفيزياء، بدلا من فكرة جمع أموال لفلسطين.
فأرسل فرانكفورتر ماك برقيات إلى وايزمان حثه فيها للتأكد من أن اينشتاين قد جدول بعض المحاضرات في الفيزياء خلال رحلته. لكنهم سرعان ما غيروا رأيهم عندما علموا بأن اينشتاين حاول كسب رسوم كبيرة من مختلف الجامعات لمثل هذه المحاضرات، على الرغم من انه كان يتحدث عن الصهيونية مجانا. وهذا ما جعل الأمر أكثر سوءاً. حتى أنه أرسل برقية أخرى، للتحذير من خطر ان اينشتاين سينظر اليها على انها محاولة "لتسويق" علمه وهذا من شأنه أن يضر بصورته وبالتالي بصورة اليهود، وهذا ما خشيه فرانكفورتر وماك، وحسب رأيهما أن عليه أن يقوم بمحاضرات مجانية في الفيرياء. كما بعث ببرقية لوايزمان مفادها " وضع آينشتاين في غاية الصعوبة، والمناسب أن تشرح لنا مفاوضاته بالضبط، ونحن بانتظار برقيتكم التي وعدتم بإرسالها لنا، وإفادتنا ما اذا كان يتقبل منك اقتراحاتك لتقديم محاضرات مجانية في جامعتين." وفي برقية لاحقة وذهبوا إلى أبعد من ذلك حيث رأوا إلغاء جولات آينشتاين، وفي برقية أخرى أوضحوا أنه لن يكون هناك أي محاضرة في الجامعة حيث أن فرانكفورتر استاذ مؤثر بها "جامعة هارفارد ترفض تماما محاضرة آينشتاين،" وأضافت البرقية. انه سيكون موضع ترحيب للحضور في زيارة رسمية بدون محاضرة أو طلب أي رسوم. وعندما اكتشف اينشتاين أمر البرقيات اهتاج غاضبا. ولكن ماك دافع عن نفسه، وقال إن فرانكفورتر وبرانديز، في رسالتهما الى أينشتاين، أصروا على أن دافعهم الوحيد هو "لحمايتك ضد التهجمات الظالمة ولحماية المنظمة نتيجة لتلك التهجمات غير المنصفة".
برانديز ورفاقه في المنظمة الصهيونية في اميركا زادوا الأمور سوءا، خلال زيارة آينشتاين، وذلك عندما تجاوبوا بقوة على إثر الاشتباك الدموي بين المتظاهرين العرب واليهود في يافا، برغبتهم بتعزيز ضمانات "كافية" وإرسال رجال لحماية أمن اليهود هناك قبل جمع المال للجامعة العبرية. وصرح آينشتاين لمقربين منه بأن هذا الموقف جعلته يشتبه في أن حشد برانديس يريد تخريب مهمته. في الوقت الذي اقترح فيه صديق برانديز ومؤيده الحاخام يهودا ماغنيس اقترح استضافة اجتماع للمثقفين في مانهاتن للحديث عن الجامعة، فرد آينشتاين بأنه لن يأتي الا اذا جعل ماغنيس هذا الحدث مناسبة لجمع التبرعات. فأجاب ماغنيس في رسالة مقتضبة "لم يأخذ في الاعتبار موضوع جمع الأموال في الجلسة، وفي ظل هذه الظروف، قد يكون من الأفضل أن تتخلى عن الاجتماع."
لم تأت مقاومة بعثة أينشتاين فقط من معسكر برانديز الصهاينة الأميركان والذين يتمسكون بالحذر وضبط النفس، ولكن أيضا جماعة الإصلاح اليهود الناجحين في نيويورك الذين هم من أصل ألماني وكثير منهم كانوا يعارضون الصهيونية. وعندما دعا أينشتاين 50 أو نحو ذلك في نيويورك أبرز زعماء اليهود في لقاء خاص في غرفته في الفندق، رفض كثير منهم حضور الاجتماع، وكتب بول واربورغ، الذي شغل منصب وكيل أعماله الذي تولى جمع رسوم المحاضرة، كتب يقول: حضوري سيكون دون فائدة، بل على العكس من ذلك، وأخشى على كل حال أن يكون تأثيره ليس لتهدئة الأمور. كما سبق وقلت لكم في مناسبة أخرى، وأنا شخصيا لدي شكوك أكبر بشأن خطط الصهيونية واستباق نتائجها التي قد تسبب ذعراً حقيقياً.
والرفض الآخر جاء من آرثر سولزبرجر من صحيفة نيويورك تايمز، والسياسي الممول برنارد باروخ ؛ والمحامي إيرفينغ ليمان، وأول يهودي يعمل سكرتير شئون مجلس الوزراء، وأوسكار شتراوس، ونصير القضايا الانسانية دانيال جوجنهايم، وعضو الكونغرس السابق جيفرسون ليفي.
من ناحية أخرى، علاقة آينشتاين وايزمان كانت قد احتضنت بقوة من قبل اليهود غير المنظمين والأكثر حماسا، وهم الذين يفضلون العيش في بروكلين أو في اسفل الجانب الشرقي بدلا من التركيز على بارك افنيو. واحتشد أكثر من 20،000 منهم في وقت واحد، مما تسبب في "اعمال شغب وقعت بالقرب من ذلك المكان " وقالت الصحيفة، عندما "اقتحموا صفوف الشرطة". وبعد ثلاثة اسابيع من المحاضرات وحفلات الاستقبال في نيويورك، قام آينشتاين بزيارة الى واشنطن.لأسباب يقدرها أولئك الذين يعيشون في تلك المدينة،بعدها قرر مجلس الشيوخ مناقشة نظرية النسبية. وفي الجانب السكني من الكابيتول اقترح العضو يانوش القريب من نيويورك فكرة وضع شرح لنظريات اينشتاين في سجل الكونغرس. لكن ديفيد وولش من ولاية ماساتشوستس وقف معارضاً.ثم أضاف هل فهم كندريد النظرية؟ فأجاب "لقد كنت منشغلا بهذه النظرية لمدة ثلاثة أسابيع، وأننا بدأنا نرى بعض الضوء." ولكن ما أهمية وعلاقة النظرية بأعمال الكونغرس؟ وقال "قد تدخل على التشريع في المستقبل في مجال العلاقات العامة مع الكون".
وحين ذهب آينشتاين مع مجموعة لزيارة البيت الأبيض جعل من المحتم أن يواجه الرئيس وارن هاردينغ بالسؤال إن كان فهم النظرية النسبية. وكان الجميع يقفون امام الكاميرات لأخذ صور تذكارية، ابتسم الرئيس واعترف بأنه لم يفهمها. ونشرت صحيفة واشنطن بوست رسما كاريكاتوريا يظهره في حيرة أكثر من ورقة تحمل عنوان "نظرية النسبية"، في حين أن اينشتاين كان غير قادر على فهم "نظرية الحياة العادية أو الطبيعية"، والتي حملت اسم هاردينغ لفلسفة الحكم في بلده. ونشرت صحيفة نيويورك تايمز بالبنط العريض على صفحتها الاولى : " فكرة آينشتاين تحيّر هاردينغ، باعترافه".
خلال زيارة واشنطن، حاول والتر ليبمان الصحافي المعروف والقوي أن يتم اجتماع سلمي بين وايزمان وبرانديس. لكن محاولات المفاوضات بين معسكري الزعيمين الصهيونين انهارت على خلفية مجموعة متنوعة من القضايا، فلم تحدث تلك القمة. ومع ذلك كان آينشتاين زار برانديز، على الرغم من أن وايزمان حثه على عدم زيارته، كانت زيارة جيدة. قال أينشتاين لصديقه أنه خرج برأي مختلف كلياً عن برانديز، عما قدمه وايزمن له عنه، وأعرب برانديز أيضا عن سروره.، وكتب لزوجته في اليوم التالي "السيد إينشتاين والسيدة زوجته أناس بسطاء محببون " ثم أضاف قائلاً لزوجته. "لقد ثبت أن من المستحيل تجنب فكرة كسر الجمود وضرورة إجراء بعض المناقشة، 'على الرغم من عدم اتفاقهما على ذلك. وهما يتخصصان في الجامعة." ويوم واحد من التقارب الشخصي بين الزعيمين لم يؤد إلى رأب الصدع بين مخيم وايزمان - آينشتاين ومخيم برانديز- فرانكفورتر، فاستمرت العلاقة في التدهور خلال الزيارة.
وذهب أينشتاين بعد ذلك إلى جامعة برينستون، حيث ألقى سلسلة من المحاضرات العلمية لمدة اسبوع وحصل على درجة الدكتوراه الفخرية "لإبحاره الفكري عبر البحار الغريبة " ومع ذلك لم يحصل على مبلغ ال 15،000 دولار التي كان قد طلبها أصلا، لكنه حصل على مبلغ أكثر تواضعا من ذلك، بالاضافة الى التوصل الى اتفاق من شأنه أن تقوم جامعة برينستون بنشر محاضراته في كتاب ومنحه 15 في المئة من حق الملكية، وكانت محاضرات آينشتاين محاضرات قيمة للغاية. إذ أنها شملت على أكثر من 125 من الممعادلات المركبة التي كتبها على السبورة بينما كان يتحدث باللغة الألمانية. وصرح طالب لاحد الصحفيين قائلاً "كنت جالسا في الشرفة، لكنه قال كلاماً صحيحاً فوق رأسي على أي حال."
وتبين أن آينشتاين أحب جامعة برينستون وقال عنها "شابة ومنعشة"، وقال عنها أيضاً. "إنها غليون غير مدخَّن.حتى الآن" من رجل كان يداعب غلايينه، وكان هذا مدحاً. ولن تكون مفاجأة، وبعد أكثر من عشر سنوات سيقرر الانتقال للعيش هناك بصورة دائمة.
أما في جامعة هارفارد، حيث ذهب آينشتاين بعد ذلك، لم يلاق ترحيبا كبيرا جدا. وبرشاقة قام آينشتاين بجولة في الحرم الجامعي، ومر في طريقه على المختبرات وأبدى بعض التعليقات على عمل الطلاب، على الرغم من انه لم يكن قد دعي صراحة لإلقاء محاضرة رسمية هناك. وبالنسبة لبقية زيارته للولايات المتحدة، قال انه وفرانكفورتر تبادلا الرسائل والتي حاول فيها الأستاذ في جامعة هارفارد ابعاد اللوم للازدراء.وقال فرانكفورتر في إحدى رسائله إلى آينشتاين "اتهمني بعض الناس بأنني أريد منع ظهورك في جامعة هارفارد، وهذا الاتهام غير صحيح على الاطلاق" ومع ذلك، عرف آينشتاين من البرقيات التي أرسلها له فرانكفورتر وكذلك ماك المتعلقة بمعارضة أينشتاين في طلب رسوم المحاضرة. فأجاب آينشتاين غير مقتنع بما نفاه فرانكفورتر عن نفسه "والآن يبدو أن من الصعب أن أصدق انك كنت تصرفت بالطريقة التي قمت بنوايا جيدة وصادقة"، واضاف قائلاً أن مثل فرانكفورتر هو لكمة في وجه اليهود المتلهفين لتفادي توتر المشاعر الصافية من غير اليهود. وقال "إنه ليس هناك خطورة حتى لو ان كل الجامعات حجبت الدعوات"، ثم أضاف قائلاً، "ومن المؤكد وعلى الرغم من أنني أعلم أنها نقطة ضعف لدى اليهود دائما وهو حرصهم على مراعاة مشاعر غير اليهود جنتايلز-= قوجيم."
وإحدى المواقف الأخيرة من جولة آينشتاين وايزمن الكبيرة الأهمية فقد كان في كليفلاند، حيث احتشد عدة آلاف في محطة قطار للقاء الوفد الزائر، ومشوا بموكب مهيب شمل 200 سيارة وكلها كانت تزمر ويرفع المحتفلون الرايات والأعلام على السيارات، وركب الزائران آينشتاين ووايزمان سيارة مكشوفة، وأمامها فرقة مشاة الحرس الوطني الموسيقية وكوادر من قدامى المحاربين اليهود وهم يرتدون الأزياء العسكرية، وكان المعجبون على طول الطريق يحاولون الوصول إلى سيارة آينشتاين، ويجرون بمحاذاتها، والبوليس ظل يحاول إبعادهم عن سيارة الموكب.
كانت المنظمة الصهيونية الأمريكية على وشك لقاء في كليفلاند لمؤتمرهم السنوي، ويهود "وسط المدينة" المؤيدة لوايزمن كانوا مستعدين لمواجهة اليهود المؤيدين ل (برانديز)، فانقلب المؤتمر إلى صخب، وبخطب مريرة تضمنت إدانة مخيم برانديز، وغيرها من الأخطاء، بسبب عدم إبداء الحماس الضروري لأينشتاين، أما الموالين لوايزمان مدعومين بوجوده فكانوا قادرين على منع التصويت على الثقة بتأييد قيادة برانديز ورجله الذي يساعده وهو جوليان ماك، لكن ماك استقال على الفور من منصبه كرئيس، واستقال برانديز من منصب الرئيس الفخري، وآخرون في مخيم برانديز تبعوهم بما في ذلك فيليسك فرانكفورتر، وستيفن س. وايز استقال هو الآخر من اللجنة التنفيذية، واستمر هذا الشرخ العميق في صهاينة أمريكا، وكاد يعصف بالحركة كلها خلال عقد من الزمان تقريباً.
وخلال هذا المؤتمر لم يكن آينشتاين موجوداً، حيث ركب السفينة مرة أخرى عائداً إلى أوربا، وبشعور محير ومسلْ بعض الشيء، بسبب ما شاهده في أمريكا، وكتب لزميله ميشال بيسو قائلاً: "وجدت أن هناك حماساً في أمريكا أكثر من أي بلد آخر زرته حتى في وجودي" كان عليّ أن أظهر نفسي مثل ثور الجائزة، وكانت معجزة أنني تحملت ذلك، ولكن الآن انتهى كل شيء، وما تبقى هو الشعور الجيد الذي أحسه لأننا عملنا شيئاً جيداً وقمنا بإنجازات لصالح اليهود برغم كل الاحتجاجات من يهود وغير يهود، ومعظم رجال عشيرتنا كانوا أكثر ذكاء من كونهم أكثر شجاعة..
إن المعارضة التي واجهها آينشتاين لم تؤد إلا إلى تعميق دعمه للقضية الصهيونية. وكتب إلى بول إيهرنفست Ehrenfest بعد رحلته قائلاً "الصهيونية تقدم حقاً المثالية اليهودية الجديدة التي يمكن أن تقدم للشعب اليهودي الفرح بوجودها هي نفسها مرة أخرى" ، وقال انه كان جزءا من الاتجاه الذي كان هدفه إعادة تشكيل الهوية اليهودية، سواء عن طريق الاختيار أوحتى بفرضها في أوروبا. وقال لصحفي قبل أن يغادر أمريكا "حتى أنه قبل جيل واحد فإن اليهود في ألمانيا لم يكونوا يعتبرون أنفسهم أعضاء من الشعب اليهودي "واضاف "إنهم يعتبرون أنفسهم أعضاء في طائفة دينية." ولكن معاداة السامية غيرت ذلك، وكان هناك جانب مشرق في تلك السحابة، كما أعلن. "إن الهوس المهين من محاولة التكيف والمطابقة واستيعابهما، والذي يحدث بين العديد من زملائي من المكانة الاجتماعية، فقد كانت على الدوام مثيراً للاشمئزاز بالنسبة لي".
إن جولة آينشاين والتي كان الهدف منها جمع الأموال لم تحقق سوى نجاح متواضع. على الرغم من أن أفقر اليهود والمهاجرين الجدد انطلقوا خارجين لرؤيته وتبرعوا بحماس، وإن عدداً قليلاً من اليهود البارزين والقدماء ويملكون ثروات شخصية كبيرة أصبحوا جزءا من المتحمسين. وتم جمع مبلغ 750،000 دولار فقط لأجل إنشاء الجامعة العبرية، وكان هذا المبلغ أقل بكثير من ال 4 ملايين دولار التي كان وايزمن وآينشتاين يأملان بجمعها، لكن ذلك كان بداية جيدةً بما فيه الكفاية. "ويبدو أن الجامعة أصبحت مضمونة ماليا " كما كتب أينشتاين إلى آيريمفيسن Ehrenfest.
وبعد مرور أربع سنوات افتتحت الجامعة أبوابها بالفعل، على قمة جبل المكبر المطل على مدينة القدس،. وفي تطور مثير للسخرية، فإن بعض الممولين من نيويورك والذين رفضوا فكرة آينشتاين إنشاء جامعة في البداية انتهوا إلى دعم ذلك المشروع، وأصروا على تثبيت الحاخام يهودا ماغنيس كمستشار للجامعة، وهو الشخص الذي كان قد اصطدم مع اينشتاين عام 1921، وهو نفسه الذي ألغى حفل استقبال لاينشتاين عندما أصر آينشتاين على تحويله حملة لجمع التبرعات. فاستاء آينشتاين تعيين ماغنيس حتى أنه قدم استقالته من المجلس احتجاجا على ذلك. وفي نهاية المطاف مع ذلك فإن آينشاين ترك أوراقه والكثير وممتلكاته إلى الجامعة.
وتبع ذلك حادثة مضحكة أخرى عام 1946، فبعد أن كان إينشتاين قد هاجر إلى أميركا، إصبح ثانية عاملاً على جمع الأموال لجامعة يهودية أخرى. وأطلق على الجمعية في البداية "مؤسسة ألبرت أينشتاين للتعليم العالي"، وتملكت الحرم الجامعي لجامعة كانت على حافة الإغلاق بالقرب من مدينة بوسطن. ولكن اختلف آينشتاين ثانية مع بعض الجهات المانحة وخياراتها حول من سيدير الجامعة. وعندما سئل ما إذا كان يمكن تسمية الجامعة باسمه من بعده رفض آينشتاين ذلك، ولهذا قرر المؤسسون اللجوء إلى الخيار الثاني وهو تسمية الجامعة الجديدة باسم براندير، والذي كان قد توفي قبل خمس سنوات..

بقلم: وولتر آيزاكسون/ ترجمة: نازك ضمرة

* نازك ضمرة: عضو رابطة الكتاب الأردنيين وعضو اتحاد الأدباء العرب، قاص وروائي ومترجم عن الإنجليزية؛ اضطرته الظروف للانتقال للعيش مع أسرته في الولايات المتحدة الأمريكية.

* وولتر آيزاكسون - الرئيس والمدير التنفيذي لمعهد آسبن ومؤلف كتاب: "آينشتاين: حياته والعالم" الصادر سنة 2007.

المقال نشر في مجلة ذي أتلانتيك الأمريكية الشهرية عدد شهر سبتمبر /اكتوبر عام 2009.

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 23/12/2009

إرسال تعليق Blogger

 
Top