0

بقلم موسى حوامدة/ اللغة العالية التي نستخدمها ، اللغة المجلجلة والفخمة ، الهادرة كأنها سيل جارف ، لغة قوية قادرة على تحطيم الصمت ، وأقناع الضجيج بجدوى وجودنا وقوتنا وقدرتنا على نحت الخطابات ، لكن هذه اللغة الجريئة الملتهبة الحروف لا تظهر الواقع الذي نعيشه ، فهل الخطأ في عدم تواضع هذه اللغة أم في عدم فهمنا لها ولطبيعتها وقوتها وضعفها وحياديتها وعلوها وكسلها وخمولها مثلا؟ نحن نملك لغة مقدسة ، لغة حية أثرت في ملايين البشر قديما وحديثا ، وكانت مطلوبة لتعلمها ومعرفة حروفها ، وقد نجح في ممارستها عجم أجادوا فيها نثرا وشعرا وخطابا فلسفيا وعلميا ، هذه اللغة نفسها ارتفعت ولا تريد الهبوط. فحين يرسل أحد زعمائنا خطابا قويا للعالم يتحلى بمنطق قوي ودلائل جريئة وكلمات طنانة بليغة مؤثرة صائبة ، تصل كلماته إلى عنان السماء وتصفق له اجنحة الطيور وتسمع صداه ظلال الجبال وقيعان الوديان ، ولكنه يظل معزولا وبلا نتائج على ارض الواقع ودون تأثير على الآخرين. والحال مماثل لخطاباتنا الثقافية التي يطلقها زعماؤنا الثقافيون فيعلو فيها الصهيل حتى تكاد تخدش عين الشمس ولكنها حين تمضغ وتبلع وتهضم تكون بلا قيمة غذائية للامعاء التي تظل جائعة نهمة لا تشبع. ترى أين الخلل هل هو في بنية هذه اللغة ، في إيقاعها وموسيقاها؟ في معاني كلماتها ومترادفاتها ومنطقها؟ أم في عمرها الطويل وماضيها العريق؟ ام ترى في كونها لغة مقدسة ودينية لا تحتمل الحداثة والعلم والتكنولوجيا؟ أم أنها قاصرة بسبب قلة همة اهلها واحباطهم وهزيمتهم ، والفرق الشاسع بين مستخدميها ومضامينها؟ اللغة وحدها لا تقيم حضارة ولا سياسة والمأساة أن الذين يتحدثون بها حديثا موزونا ومنمقا وحضاريا يمارسون ممارسات شريرة ضد إنسانية شعوبهم وبلدانهم ، ولا يقيمون وزنا للأفعال التي ينبغي أن تمارس من أجل إصلاح الخطابات ، والسؤال الذي يطرح نفسه ، هل اللغة معزولة عن الممارسات الحضارية ، وهل هي بديل عن تقدم المجتمعات وممارسة حقوقها الديمقراطية والاجتماعية أم اننا نلجأ إلى اللغة وحدها كشعار وشكل ولا نقيم وزنا لدقة المعنى ولقيمة اللفظ ولمغزى التعابير ، ربما تنجح اللغة المطلقة في الشعر والأدب مثلا لكنها في السايسة والاقتصاد والقوانين والصناعة والزراعة وباقي مناحي الحياة لا بد ان تكون مناسبة تماما للفعل الذي يمارس على الأرض. الغريب ان اللغة العالية حين تستخدم من قبل من يمارسون الاستبداد السياسي بشكل بشع هم من يمارسون أفعالا منافية لحقوق الانسان وللحياة وللإنسانية نفسها ، وهم من يجهدون أنفسهم لتدبيج الخطابات الرنانة ، ورغم أننا نعرف عيوب هؤلاء ونعرف ممارساتهم ، ولكننا ما زلنا نفرح لضجيج اللغة التي تدغدغ مشاعرنا وليس للأفعال التي تعيد الاعتبار لمكانة الإنسان وتحتم قدرا كبيرا من الواقعية وتطور الحياة.

منشور بصحيفة "الدستور" الأردنية بتاريخ 26 سبتمبر 2009

إرسال تعليق Blogger

 
Top