0
انتهى زمن الأعاصير الجميلة، التي تغنَّى طويلاً بها الشعراء. حتى الأميرة ستيفاني، ستتردّد اليوم قبل أن تُغنِّي أغنيتها الشهيرة تلك"مثل إعصار". فالجميلة المتربّعة فوق صخرة موناكو، تدري الآن أنه ما عاد في الإمكان. حتى من باب الدعابة، أن تمازج إعصاراً أو تتغزّل به، خاصة أنَّ بعض أعاصيرها العشقيّة قلبت الإمارة رأساً على عقب.
لا أحد الآن في مأمَن من طوفان أو إعصار أو زلزال، سواء أكان يسكن مدينة تحت مستوى سطح البحر، وسطح الفقر، أم إمارة مُعلّقة على صخرة النجوم. فقد أثبت "تسونامي" أنَّ في إمكانه تسلُّق طوابق عدَّة، وابتلاع أُناس كانوا يعتقدون "أنّ البحر يبتسم"، كما اعتقد الجزائريون منذ سنتين أنّ المطر الذي انهمر عليهم بغتة كان استجابة لصلوات الاستسقاء، وإذا به يُخبّئ لسكان العاصمة أكبر فيضان عرفته الجزائر، ذاهباً حدَّ خطف أُناس باغتهم في الشوارع.. وابتلاعهم عبر المجاري ليُلقي بجثثهم بعد ذلك إلى البحر.
كما الحبُّ "كلّنا من أمر البحر في شكّ"، نرتاب من مجاورته ونشكُّ في حُسن نواياه. فما عاد البحر يهبنا اللؤلؤ والمرجان والحيتان، بل الفيضانات والدمار والأعاصير الاستوائية والحلزونية، التي لا رقم معروفاً لضحاياها.
كل الأسماء النسائية والرجالية التي تطلقها هيئات الرصد الجوي، لتمنح كوارثنا "الطبيعية" اسماً، تضافرت وتناوبت لتهزّ ثقة الإنسان بسيادته على هذه الأرض•
مَن المعتدي؟ الإنسان.. أم الطبيعة؟
إذا احتكمنا إلى إبراهيم الكوني، الذي يقول في كتابه "ديوان البرّ والبحر"، إنّ الطبيعة بيت اللّه الذي ندنّسه بدل أن نتعبّد فيه، يكون الرئيس المؤمن بوش، قد دنّس بيوت اللّه كثيراً، و تجنّى على الطبيعة كما تجنّى على البشر. فقد أصرّت إدارته على الرفض القاطع التوقيع على معاهدة كيوتو للاحتباس الحراري التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة، في المحيطات، ما تسبَّب، حسب الخبراء، في تشكيل الأعاصير الواحد تلو الآخر. ذلك أنّ القرار الأميركي يصنعه الأثرياء، أصحاب الشركات الأكبر من الدول، ويدفع ثمنه فقراء العالم، وفقراء أميركا الذين ما كنّا لنعرف مدى فاقتهم، لولا فضيحة هذا الإعصار. الْمُسمّى "كاترينا".
نفهم تماماً، أن يطالب أنصار البيئة بإطلاق أسماء الأعاصير على السياسيين، مقترحين أسماء جورج بوش، وكونداليزا رايس، وتوني بلير، ورامسفيلد، باعتبارهم مسؤولين عن معظم الكوارث الطبيعية التي تحيط بالعالم، وتتسبّب في اتِّساع ثُقب الأوزون، و ارتفاع حدّة التلوّث في العالم، إضافة إلى الحروب التي يُشعلها سوق السلاح. ففي أميركا، حيث تخترع شركات الدواء العملاقة الدواء أولاً، ثم تخترع له مَرَضَاً يليق برواجه، دَرَجَت الحكومات الأميركية على إشعال حروب لاستهلاك ترسانة أسلحتها واختبار الجديد منها، غير عابئة بما ستخلِّفه قنبلة نووية على مئات الآلاف من البشر في هيروشيما، أو ما ستتنفسه الأمهات من سموم، تشهد عليها تشوهات الأجنة والمواكب الجنائزية المتتالية لنعوش أطفال العراق.
نكبة أميركا ليست في شعبها، الطيِّب غالباً، والساذج حدّ تصديق كلِّ ما يتنفّسه من سموم إعلاميّة. نكبتها في حكّامها الذين يصرُّون على سياسة التفرُّد والاستعلاء، حتى على الطبيعة. فبوش، الذي ابتدع "الحروب الاستباقيّة"، ما كان في إمكانه أن يستبق إعصاراً أو يلحق به. ذلك أن أولوياته هي غير أولويات مواطنيه، بحُكم أنه الراعي للإنسانية والقيم السماوية.. والموزّع الحصري للديمقراطيّة على جميع سكان الكرة الأرضيّة. فأين له أن يجد الوقت ليوزع الإغاثة على المنكوبين من مواطنيه، وهو مشغول بتوزيع جيوشه حسب الخرائط التي تمدّه بها الشركات البترولية في معقله في تكساس؟
الجبابرة، سادة العالم وأنبياؤه المزيّفون، عليهم ألاّ يعجبوا إن هم ما استطاعوا احتواء غضب السماء، ولا غضب الأرض. ما الطبيعة إلاّ يـد اللّه، وكان لابد لجبروتهم أن ينتهي تحت أقدامها.

إرسال تعليق Blogger

 
Top