0
لا مناسبة دامعة لكتابة مقالٍ عن البكاء، عدا، ربما، سعادة ذكّرتني في جموحها بدموعٍ سابقة. وإذا بي أُفسد فرحتي، بحزني على سخاء دمعي في ما مضى. أُريد استرجاع دموعي التي ذرفتها هباءً بغباء نسائي• وأعتقد أن جميع النساء شاركنني يوماً في هذا المطلب.
أجد عزائي في قول نزار: "إن الإنسان بلا دمع ذكرى إنسان"> غير أني لفرط ما كنت إنساناً، أو بالأحرى "إنسانة"، بكل ما تعنيه تاء التأنيث من سذاجة، نسيت أن أُبقي بعض دموعي لفرحة كهذه، أن أحتفظ بها كما كان نيرون يفعل، إذ بكى يوم إحراقه روما. دمعتان مقابل مدينة تحترق بكل عظمتها. طالَب بإناء صغير لجمع دموعه فيه قطرة.. قطرة. لم يجرؤ أحد على تنبيهه إلى أن الدمع يتبخر ويجفّ، وأنه صالح للاستعمال مرة واحدة. فالدمع نبع يتدفق حتماً نحو الأسفل، ولا مجال لإعادته لمنبعه، كاستحالة إعادة المطر صعوداً نحو السماء. وحده الحزن في إمكانه أن يفعل ذلك عندما يتحرش بالذاكرة. ذلك أنه عندما يتوقف دمعنا، تبدأ دموع الأشياء من حولنا في الانهمار. إنه كيد الذاكرة، في محاولة استدراجنا للبكاء أثناء دعوتنا إلى المشي إلى الوراء.
وهنا "كل واحد وشطارته".. البعض، عن خبرة أو عبرة، ينجو من الفخاخ التي تنصبها له الذكريات. وآخرون، أعني أُخريات، يغرقن هناك في بركة دموعهن، مزايدات على الخنساء عويلاً.
فبينما يُباهي الرجل بكونه "عصيّ الدمع شيمته الصبر" تفاخر المرأة بأن لا صبر لها، وتعرض فائض دمعها على جلاّدها، حتى إنّ إحدى بنات جنسنا الغبيّات تذهب حدّ مطالبته بجلسة استجواب لمخدتها وشراشفها ومناديلها الورقية: "اسأل دموع عينيّ.. واسأل مخدّتي.. كم دمعة رايحة وجاية، اسأل.. اسأل..". ولا جدوى من محاولة إعادتها لرشدها.. "يلعن أبوه هذا الذي يبكيك ويسعد برؤيتك تذبلين كل ليلة.. ليذهب إلى الجحيم.. كوني قويّة.. لا تهاتفيه.. اقتليه تجاهلاً.. لا تلتفتي إلى الخلف.. ستجدينه أمامك عندما سيعتقد أنه خسرك.. استمتعي ببكائه السرِّي.. اصبري قليلاً فقط!". لكن أُختنا في الغباء تنهزم وتهاتفه، وتجهش بالبكاء طمعاً في استعادته بفائض دمعها.
نشف ريقي وجفّ قلمي وأنا أُردِّد يا أيتها النساء.. احفظن هذا الدرس جيداً• هو درس واحد فقط: الرجل لا يتعلّق بامرأة تَبكيه (بفتح التاء).. بل بامرأة تُبكيه (بضم التاء). فهل، وقد وصلت النساء العربيات حدَّ قيادة الطائرات الحربية، لم يزلن عاجزات عن التمييز بين التاء المفتوحة.. والتاء المضمومة؟
"النساء كلّهن سواء.. فهن يعتقدن أن مجموع 5 = 2 + 2 إن هنّ بكين".. نكتة كان يُطلقها برنارد شو، كي يستخف بنا.
الحقيـقة، أن النساء لطالما بكــين، لاعتقــادهـن فــي كلِّ حــبٍّ أن 1 = 1 + 1. لكن، الانصهار الذي حلمن به دائماً مع الرجل، كثيراً ما تحوّل إلى انشطار فجائعي، لحظة اكتشافهن منطقه الأنانيّ في الحساب. إذ في إمكان 1 + 1 أن يساويا لديه ثلاثة فأكثر، بحكم اعتقاده الراسخ، أن امرأة واحدة لا تكفي لتكون "نصفه".
صحيح أننا عادة لسنا متفوقات في الحساب، لكن الخطأ هنا يكمن في كوننا نقيس بقلوبنا ويقيس الرجال بباقي أعضائهم. ولابد إذن من توحيد المقاييس تفادياً للخيبات والصدمات.
مناسبة هذا الكلام في الواقع، إعجاب كثيرٍ من القارئات بمقال قديم كان عنوانه "أيتها النساء توقفن عن تقبيل الضفادع"، في إشارة إلى نساء مازلن يصدّقن تلك الأسطورة، التي تقبّل فيها فتاة ضفدعاً جميلاً يقف حزيناً على طرف بركة، وإذا بقُبلتها تُفسد مفعول سحر حلّ به، ويتحوّل الضفدع إلى أمير عاشق يطلب يدها.
أما وقد فهمت قارئاتي أنهن لن يعثرن على فارس أحلامهن بين الضفادع، بقي أن أنصحهن بالتوقف عن بكاء ما عرفن من ضفادع. فبحكم وجودها في المستنقعات، لا تميّز الضفادع بين الدمع الغالي، الجاري على خدود العذارى، والماء الآسن الذي تعيش فيه!
كلامي إلى صديقتي القارئة التونسية.. تلك.

إرسال تعليق Blogger

 
Top