0




شعبان يوسف

بقلم/ سميرة سليمان

صاحب "ورشة الزيتون" الإبداعية التي تناقش جديد الأدب أسبوعياً ، ولعله أحد أبرع نقاد الأدب في كشف آثار الكتاب والمبدعين العرب؛ فعلى مدار ثلاثين عاماً ظل " شعبان يوسف " شغوفا بتقليب أرشيف هؤلاء واستجلاء الأسرار منه، كما أنه مكتشف العديد من الكتاب الحاليين.. يكره "جبن" المثقفين في فضح ممارسات المؤسسات الثقافية المترهلة ، كما حكى عن ظلم طه حسين – عميد الادب العربي – وحقيقة هدى شعراوي الرائدة النسوية المصرية، وأسرار أخرى لمشاهير الفكر والأدب.

لماذا ورشة الزيتون ؟

- بدأت ورشة الزيتون عام 1979 وفي هذا الوقت كانت الحياة السياسية والثقافية صاخبة، وكنا نتردد على أتيليه القاهرة، قصر ثقافة السينما بالإضافة لبعض المقاهي مثل "ريش" التي كان يجتمع بها نجيب محفوظ مع أصدقائه، وإبراهيم فتحي في مقهى "علي بابا" وغيرها.

حين فكرت في عمل الورشة كنت في العشرينيات من عمري وكنت أرى الحياة السياسية المترهلة التي انطبعت على الحياة الثقافية وبحثت عن بؤرة أنفس من خلالها عن أفكاري.

بحيث تكون مستقلة وتحتوي طاقات الشباب بعيدا عن الأماكن الثقافية التي كانت تعاني من فرض التوجهات الأيديولوجية واستيعاب أسماء محدودة من المثقفين آنذاك ومحاولة إظهار الذات، كنت أريد مكانا فيه الحرية والديمقراطية هي الأساس.



ورشة الزيتون

وبعد أن أصبحنا نقيم الندوات الثقافية وجدت الإقبال عليها ضعيفا نظرا لبعد المكان، ففكرنا في إقامة نشاطات احتفالية مثل استضافة الشيخ إمام أو نور الشريف .

ولاحظت أن الجمهور منصرف عن الفعاليات أيضا، ولهذا قررت إقامة ندوات تعيد الحماس بين الجمهور وبدأت الورشة بفضل جهود مجموعة من الأصدقاء من الأدباء مثل "فتحي إمبابي، سلوى بكر، سهام بيومي وغيرهم " .

في عام 1981 أصيبت الورشة بفترة من الجذر حيث أثّرت قرارات الاعتقال التي أصدرها الرئيس الراحل أنور السادات لعدد كبير من المثقفين والمعروفة بقرارات 5 سبتمبر، ثم عادت الحياة لطبيعتها مع تولي الرئيس مبارك للسلطة التي آثرت سياسة المصالحة مع المثقفين.

وهنا بدأ عهد جديد وظهرت للنور مجلات مثل "إبداع" التي كان يرأس تحريرها عبد القادر القط ، وبدأت الدولة تضم المثقفين المستقلين إلى أروقة مؤسساتها الثقافية، وأصبح لا وجود للمجلات الصغيرة.

وأغرت تلك المصالحة الديمقراطية المثقفين بالانضمام إلى الصفوف الرسمية، لكن الأمور الثقافية بدأت تتأزم مرة أخرى لأن الدولة لا تستطيع استيعاب كل الأصوات، فهي تستوعب فقط مادحيها.

وقد تغيرت الأجيال التي تدير الورشة ولكن استطاعت "ورشة الزيتون" أن تحفر لها اسماً بارزا في الحياة الثقافية ، ومعروف أنها لا تجامل أديب ولا تذبح أحد أيضا .

وتكون على يديها صف ثان وثالث من النقاد وعرفت بأبرز مبدعي مصر ، وكنت احلم أن تكون للورشة مجلة لكن لم أجد من المتعاونين معي الحماس لبذل الوقت من أجلها لأنهم لم يشعروا أنهم جزء من المكان .

تتحدث عن آفات المجتمع الثقافي، ما أبرزها؟

- القائمون على الحياة الثقافية في السبعينيات كانوا متحررين من "المادة" أو المال، هدفهم الإنتصار للفكرة وكانت المحاولات مستمرة لتجويد عملنا بل كنا ننفق من أموالنا لفعل ذلك ، أما الآن فالمثقفين أصابهم السعار على "المادة" وماذا سيكون مقابل ما نكتب ونقول.

ومن هنا انتشرت ثقافة المكافأة ، كما أن الجرائد العربية ومكاتب الخليج أصبحت تجتذب الكتاب والصحفيين ، وبالتالي بعدنا عن تكريس ثقافتنا الخاصة.



أحمد مجاهد

أيضا كنا نشهد في السابق دورا للجامعة في التواصل الثقافي فكانت ندوات أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام تقام داخل الجامعة، وغيرهم من رموز الحياة الثقافية ليقتربوا من الجمهور أما الآن فلا يحدث هذا.

ورغم ذلك لا أشعر أننا تحولنا للأسوأ، لكن ما أقصده هو أن شكل الثقافة تغير ؛ فقديما لم تكن المؤسسات الرسمية تلعب دورا ولذا كان المثقفون أحرارا، أما الآن أصبح الاقتراب من نقد أي مؤسسة ثقافية أو رئيسها مثل الاقتراب من سلك كهرباء مكشوف.

لأن ثقافة المنح والمنع التي يستخدمها رؤساء تلك المؤسسات ترهب المثقفين؛ فالبعض يهاجم الوزير لكن دون فاعلية فالشيطان دائما يكمن في التفاصيل التي لا يتعرض لها أحد فمن يجرؤ على مس هيئة قصور الثقافة أو دار المعارف، أو هيئة الكتاب أوغيرهم من المؤسسات التابعة للوزارة بسوء؟.

والهجوم على فاروق حسني أصبح الآن أكثر من الهجوم على أحمد مجاهد مثلا رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، رغم أن هناك من هم أكثر إضرارا بالثقافة من الوزير ولكنهم بمنأى عن النقد.

ما سر شغفك بكشف أسرار المبدعين مثل شهدي عطية وغيره؟

- أنا شغوف بالأرشيف، وبقراءة ما هو مجهول، لأن الأرشيف يكشف لنا وجوه المبدعين فهناك كتّاب تبرئوا من أعمالهم لأغراض سياسية فمثلا الشاعر الكبير الراحل محمود حسن إسماعيل له ديوان في مديح الملك فاروق اسمه "الملك" تبرأ منه بعد الثورة، وهكذا فعل أحمد لطفي السيد حين نشر سيرته الذاتية بعد الثورة فحذف منها مديحه لكرومر.

أيضا الأرشيف يعرضنا لكشف عورات الرموز، وهو الأمر الذي لا يحتمله القراء لأن الرمز يكتسب قداسة بمرور الوقت ولكن المبدعين بشرا في النهاية علينا تقبلهم بكل نواقصهم.

فهدى شعراوي مثلا في رأيي واحدة من اللاتي عطلن الحركة النسائية وشغلتها بقضية الحجاب عن قضايا أخرى أكثر اهمية ورغم شعاراتها إلا انها لم تفكر في خدمة الوطن وأصدرت مجلة أجنبية وليس عربية، فحسها الوطني لم يكن قويا.

كما ساعدني الأرشيف على كشف السرقات الأدبية والكتابة عنها، مثلما حدث مؤخرا مع الدكتورة إيمان عامر أستاذة التاريخ واكتشفت أنها سرقت كتاب للدكتورة الراحلة سهير القلماوي ولولا إطلاعي على الأرشيف لما عرفت بذلك.

وأنا منحاز لكل ما هو مهمش في التاريخ، كإنحيازي لكل ما هو مهمش الآن، فالتاريخ الثقافي المصري والعربي يكاد يكون مجهولا، وهناك مساحات كبيرة مردوم عليها منذ القرن الماضي، فمثلا هناك كاتبة اسمها "اوليفيا عبد الشهيد الأقصرية" لها كتاب اسمه "العائلة" صدر عام 1912 وكتابتها توازي كتابة مي زيادة في هذا الوقت.

ومع ذلك يجهلها الكثيرين، أيضا هناك الشاعر الكبير وليد الدين يكن، بالإضافة إلى الناقد الكبير أنور المعداوي الذي تحدثت عنه مؤخرا في حلقة من حلقات برنامج "عصير الكتب" للكاتب بلال فضل، وهو لم يكن كاتب مقال ودراسات إدبية فحسب بل كان معلما يقصده كل المثقفين في قهوة "عبد الله".

أيضا نبوية موسى تعرضت للتهميش أدبيا فهي أديبة وشاعرة كانت تعمل بالحركة النسوية، لكن ظهور أسماء ذات حسب ونسب مثل هدى شعراوي ساهم في تهميشها.



هدى شعراوى

هناك مبدعين زاهدين وآخرون ظلموا أنفسهم وساعدوا على تهميشهم مثلما فعل سيد قطب الذي يعد من أهم النقاد في عصره وله محاولات أدبية وشعرية لكنه تبرأ منها وقال عنها أنها اعمال تنتسب إلى الفترة الجاهلية من حياته وانحاز إلى التيار الإسلامي في كتاباته.

وبعد وفاته أصبح محاصرا من جماعته الذين رفضوا نشر كتاباته الأدبية ومن الدولة التي ضيقت على نشر فكره فمثلا كتاب "معالم في الطريق" ممنوع نشره.

المشكلة لدينا أنه لا يوجد بهيئات النشر الحكومية من ينقب عن آثار وإبداعات الراحلين، نرغب في جهود من قبل المؤسسات تساهم في لملمة تراثنا المجهول والكشف عن كنوز المبدعين.

فمثلا صلاح جاهين نصف تراثه لم ينشر فلا نعرف شيئا عن كتاباته بالفصحى أو مقدماته لشعراء مثل الأبنودي وسيد حجاب وغيرهم.


من هو الكاتب الذي تتمنى إعادة الاعتبار إليه ؟

- كثيرون ، على رأسهم المحقق والعلامة محمود محمد شاكر، الذي يعد من أهم المحققين في القرن العشرين في مصر، بالإضافة إلى أحمد حسن الزيات والشيخ طنطاوي جوهري وهناك كتاب غير معروفين وأدباء مثل حافظ نجيب الذي يعد أحد رواد الرواية البوليسية في مصر .

وهو بطل مسلسل "فارس بلا جواد" لمحمد صبحي الذي شوه الدور وقدمه كأنه شخصية أخرى، رغم انه كان مثقفا واديبا وشاعرا قدمت عنه دراسة طويلة في مجلة "فصول"، وأنوي الكتابة عنه مرة أخرى .

محيط: هل تذكر موقفا أثار عجبك تجاه مشاهير الأدب ؟

- زكي مبارك "فزاعة" طه حسين كان يعمل طوال الوقت على عرقلته في الجامعة حيث كان مبارك يرى أن كثير من أفكار طه حسين ليست أصيلة بل متأثرة ومختلطة بأفكار غربية وهو ما لم يستطع أحد أن يقوله غيره.

وحين أرادت الجامعة التجديد لزكي مبارك رفض طه حسين بشدة وكتب كثيرون دفاعا عن زكي مبارك منهم المازني الذي قال أن طه حسين أصبح مسئولا عن منح الناس طعامهم أو تجويعهم حتى وإن ألقى بطعامهم إلى الكلاب .

حينها رد مبارك قائلا: إذا جاع اولادي فسأقوم بشي لحم طه حسين إذا وافق أولادي على أكل لحم الكلاب!.وهذه الجملة تحذف الآن حين يتم ذكر تلك الواقعة لكنها مثبتة في الأرشيف.

ماذا عن ديوانك الأخير أحلام شكسبيرية؟

- لدي سبعة دواوين منشورة، ومن الديوان الرابع بدأت علامات معينة تظهر في كتابتي تتمثل في استدعاءات ثقافية متعددة، فهنا تظهر مقولة لطاغور أو ابن الرومي أو بيت شعر للحلاج، وقبل كتابتي لهذا الديوان "أحلام شكسبيرية" كنت شغوفا بشكسبير .

وكانت أسئلته التي طرحها في أعماله لا تزال تهيمن عليّ رغم القرون التي تفصلنا، شعرت أنه يغزوني ولذلك أردت أن تظهر اشتباكاتي العاطفية والفكرية معه على الورق، وظهرت في ديواني أقنعة متعددة فوجدنا "هاملت" و"اوفيليا" وأسماء مختلفة، وقد كانت كتابات شكسبير وأفكاره بخصوص المستقبل هي أحلام ولذلك كان هذا هو اسم ديواني.

إذا أصبحت وزيرا للثقافة ماذا سيكون قرارك الأول ؟

- لم يدر بخلدي أبدا أن أصبح وزيرا، ولكن إذا حدث سأهتم بالتعليم وأقرر مادة "الإبداع" وأجعل المثقفين هم من يقومون بتدريسها كل بطريقته الخاصة، بالإضافة إلى رفع مستوى الحرية ودمج وزارتي التعليم والثقافة وجعل لجنة مسئولة عن تقييم أداء الوزارتين.

محيط: ما رأيك في وسائل الترويج للكتب كالفيس بوك وحفلات التوقيع؟

- كثير منها مضلل، قراء كثيرون يقعوا تحت سطوة هذه الدعايات رغم ضعف مستوى الكتاب، وهو أمر لم يكن يحدث في الماضي؛ حيث كانت الأعمال الجيدة فقط هي ما يتم الترويج لها وهذا ينعكس على الجوائز والدراسات النقدية، التي كثير منها يتأثر بالدعايات المضللة هذه.

محيط: لماذا قلت أن المؤسسة الثقافية مسئولة عن أزمة الشعر ؟

- في فترة من الفترات تحولت المؤتمرات إلى كرنفالات، فمؤتمراتنا الرسمية الآن تقوم بدور اجتماعي أكثر منه ثقافي، ورغم وجود لجنة شعر إلا أنها لم تفعل شيئا في مئوية الشاعر الكبير محمود حسن اسماعيل الذي يعد أبو الشعراء جميعا، ماذا فعلت أيضا لفؤاد حداد وبيرم التونسي.

هل يصح أن تصدر أعمال بديع خيري الكاملة عن دار نشر خاصة هي "ميريت" ولا تصدر عن مؤسسة ثقافية رسمية، فالمؤسسات أصبحت مشغولة بعمل كرنفالات وليست مؤتمرات، لذلك الاقبال عليها ضعيف.






ما دور المثقف في تهدئة الاحتقان الطائفي ؟

- الوقوف مع البعد الموضوعي، ورفض المساس بالعقائد ، فالصراع الطائفي أصبح مجلبة للأموال الآن، على المبدع أن يعي فكرة الحرية مع مراعاة ضرورات المجتمع فليس كل ما يقال يكتب .

لأنه لا توجد حرية مطلقة، على المثقف ان يلعب دورا في التوعية وان يكون شعارنا الفاعل هو "الدين لله والوطن للجميع" كما حدث في ثورة 1919.

هناك عناصر قد تكون أشخاص، أو مؤسسات، أو دول تلعب دورا لتأجيج الصراع والفتنة من أجل ان تعيش هي في نعيم، فالنظمة الاستعمارية ترغب في أن يستمر ذلك النزاع دوما من اجل تفتيت الجماعة الوطنية.

ما هو جديدك؟

اعمل على الانتهاء من كتاب "ذاكرة النشر"، بالإضافة لكتاب عن تقييم الحركة النسوية ما لها وما عليها منذ أوائل القرن حتى الآن، وكتاب آخر عن نبوية موسى وكشف الوجه الحقيقي لها، وسيصدر لي ديوان جديد بعنوان "ماذا حدث للبشاري" والبشاري هو أحد أسمائي الحركية السابقة .

الموضوع الأصلي شبكة محيط

إرسال تعليق Blogger

 
Top