0
كثيراً ما راودتني الرغبة في التوقُّف عن كتابة هذه الصفحة. كما مع كل سيجارة، تُراود الْمُدخِّن الرغبة في الإقلاع عن التدخين. غير أنّ المدخن وجد مَن يحذره من خطورة التدخين على صحته. بل وإرعابه، كما في فرنسا، بكتابة هذا التحذير على علبة السجائر نفسها، بخط أحمر كبير. يُعادل حجم حروفه حجم حروف عنوان هذا المقال. حتى إنّه يغطي ثلثها. ولمزيد من الإرهاب اختصر التحذير في كلمتين (Fumer Tue). بينما لا أحد تطوّع ليكتب على الصفحات البيضاء، التي يجلس أمامها الروائي والشاعر، ليكتب مقاله الأسبوعي "الصحافة تقتل"، على الرغم من إدراك الجميع، الكاتب كما القارئ كما رئيس التحرير، أنّ الصحافة تغتال الإبداع. وأنّ في هاجس المقال الأسبوعي الذي لا يكاد ينتهي منه صاحبه، حتى يجد نفسه أمام "واجب" المقال المقبل، إجهازاً على الحالة التأمُّليّة التي يحتاج إليها كل عمل كبير، وإطفاء للحريق الذي لا إنجاز إبداعياً من دونه.
بعض كبار الكتّاب، أدركو باكراً أنّ الكتابة الأسبوعية لا توفر شروط الإبداع للكاتب، وتشوش أفكاره، وتؤثر في جودة عمله ونوعيته. وهي قبل هذا وذاك. تَشغل الكاتب عن واجبه التأملي. فالكاتب وحده يدري أنه "لا يكفي عُمر واحد لتأمُّل شجرة". فما بالك لتأمُّل هذه الغابات والأدغال التي نحن محكومون بالعيش فيها، التي يقع على قلمه مُهمَّة وصف تماسيحها، وأُسودها، وقُرودها، وحشراتها. كما طيورها وصقورها وفراشاتها وزهورها البرية.
في كلّ موسم أدبي ومع صدور الأعمال الروائية في فرنسا، وإعلان ترشيحات الجوائز الكبرى التي تحوم حولها دائماً أسماء عربية، يتردّد طرحها على السوق، لجدارتها، وأحياناً لسبب آخر. ثمَّة قاسم مشترك بين معظم هؤلاء الكتّاب، هو تفرّغهم لعملهم الأدبي وهجرانهم الصحافة، بل وتطليقها ثلاثاً.
أمين معلوف لم يكتب مقالاً منذ ثلاثين سنة. مذ كان يعمل مع زوجي في جريدة "أفريك آزي" الفرنسية فيالسبعينات. وقع في شرك الرواية عندما طُلب منه كتابة تحقيق عن تاريخ الحرب الصليبية، أفضى به البحث إلى سحر التاريخ، وصنعت منه موهبته وذكاؤه في توصيف الأحداث التاريخية واحداً من أكبر روائيي العالم. ما كاد ينجح عمله الأوّل حتى استقال من المجلة، مُسرّاً لزوجي بأنه لن يكتب بعد الآن مقالاً حتى لو دُفع له مقابله عشرة آلاف فرنك فرنسي.
كان في إمكانه الاستناد إلى ناشره الذي، ككل الناشرين في فرنسا، يُقدِّم مبلغاً شهرياً محترماً للكاتب الذي يراهن على نجاحه، مقابل التزام الأخير بإنجاز عمل كل سنتين على أبعد تقدير.
بينما تبدأ مصيبة الكاتب العربي مع الناشرين، حين ينجح. وعندما يقع في ضربة حظ على ناشر أمين لا يَسرق حقّه ولا يطبع أكثر ممّا يُصرَّح له به. يقع الاثنان في مخالب قراصنة الكُتب الذين يتربّصون بكل كاتب ناجح، فيعيدون إصدار كتبه في طبعات مقرصنة في كل البلاد العربية، سارقين حقّه وجهده. واثقين بعدم قدرته على ملاحقتهم.
إبراهيم الكوني في انهماكه في كتابة ملاحمه الروائية، يرفض حتى الاطِّلاع على الصحف. فما بالك بالكتابة فيها. فالرئيس القذافي يرعاه شخصياً، مُراهناً على قلمه لتجميل صورة ليبيا في المحافل الأدبية. كذلك الجزائرية آسيا جبار المرشحة لـ"نوبل" الآداب، ومثلها ياسمينة خضراء، الضابط الجزائري السابق، الذي طلّق كل شيء ليتزوّج الرواية. لكن أعود وأتذكّر امبرتو إيكو، المفكر الإيطالي الْمُبهر، صاحب "الاسم الوردة"، الذي جاء متأخراً إلى الرواية، حين يقول "أنا راوي قصص أُصلح أُسلوبي بكتابة المقالات. على عكسه، أكاد أقول إنني روائية أفسدت لغتها وشاعريتها بكتابة المقالات، على الرغم من محاولتي توظيف هذه الصفحة لمواكبة فجائع هذه الأُمة، وتمرير رسائل مباشرة لا تصلح "الرواية" ساعي بريد لها. إنني كيوسف إدريس، الذي سُئل: "لماذا هجرت القصّة إلى المقالات الصحافية؟". فأجاب: "لا يمكنني أن أجلس لكتابة قصة بينما النار تشتعل في ستارة الغرفة!". كان للرجل أولويات مختلفة عن نجيب محفوظ. لهذا سرق منه هذا الأخير جائزة "نوبل". ذلك أنه لم يكن من الفطنة، ليُدرك أنّ الصحافة "مملكة الأشياء سريعة الزوال"، ولا استفاد من نصيحة همنغواي الذي عمل سنوات مُراسلاً حربياً، ثــمّ غادر الصحافة إلى عرش الرواية، التي أوصلته إلى "نوبل"، مُصرِّحاً "إنّ الصحافة مُلائمة للروائيّ، ولكن عليه أن يعرف كيف يتركها في الوقت المناسب".
كلُّ ذكاء الروائي في التعرُّف إلى الوقت المناسب حين يحيـن!

إرسال تعليق Blogger

 
Top